هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟
فبراير 1st, 2008 بواسطة عبدالوهاب المكينزي
يأتي هذا الكتاب تحت قائمة الكتب المعنية بالإعلام الإلكتروني وبشكل خاص الصحافة الإلكترونية بوصفها تحدياً قويا للصحافة التقليدية. وقد استهله مؤلفه بملمح تاريخي بيّن فيه التأثيرات التي أحدثتها الاختراعات الأربعة: الطباعة، الراديو، التلفزيون، الإنترنت على هذا العصر في نقلة من عصر ثورة الصناعة إلى عصر ثورة المعلومات، وما صاحبها من مقاومة قبول في بداية ظهورها (تنسحب على كل الوسائل الإعلامية الجديدة) بوصفها أنها تضرّ أعين الناس وتبلد الحس، وأنها خطر يهدد المجتمع بأسره!
ورغم القاسم المشترك بين الإعلام القديم والحديث في كونهما يوفران مصدري المعلومات والتسلية فإن الإعلام الجديد يتفوق بخاصية التفاعل ((interactivity))، وبحاجته إلى درجات أعلى في الانتباه والتركيز، وبقدرته على دمج عدة وسائل اتصال ((multimedia)) بما توفره تكنولوجيا الحاسب من إمكانات هائلة. الأمر الذي سيحول قريبًا جميع أجهزة الاتصال من النظام القياسي ((analog)) إلى النظام الرقمي ((digita)) المتطابق مع أنظمة الحاسب.
وفي فصل كامل يخصصه المؤلف للإنترنت يؤكد فيه أنه من الصعب إعطاء أرقام ثابتة ودقيقة عن نمو مستخدمي الإنترنت، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه بلغ عام 1994م حوالي 13,5 مليون مستخدم وانتهى عام 2002م بـ673 مليون مستخدم. صاحب هذا النمو الانفجاري في عدد المستخدمين نمو مماثل في الكمبيوترات المضيفة ((internet hosts)) حيث بلغ عددها عام 2001م 100 مليون كمبيوتر (وفقًا لتقديرات شركة تلوكورديا تكنولوجيز الأمريكية). وقد أدى هذا الانتشار، إضافة إلى سهولة استخدام الإنترنت وتنوع مصادر المعلومات فيها إلى تهافت شركات صناعة الإعلام على إيجاد مواقع لها، حيث يوجد أكثر من 6772 جريدة على الإنترنت حتى بداية عام 1999م، علاوة على الكثير من محطات الراديو والتلفزيون ومحطات الإنتاج السينمائي.
ويتعرض المؤلف لخضم منافسات شركات الإنترنت الأمريكية التي تعرف بـ((commercial on-line service)) في نهاية النصف الأول من التسعينيات الميلادية كالتي حدثت بين شركة «بروديجي» وشركتي «أميركا أون لاين» و «كمبيوسيرف»، وما لحقها من تسابق محموم في تقديم خدمات المعلومات المتفاعلة بين شركات البث المباشر بوساطة الأقمار الصناعية((DBS)) ، وشركات الكيبل التلفزيوني (تصل إلى ثلثي المنازل الأمريكية) وشركات الهاتف بوساطة الخط الرقمي المشترك ((DSL)). ولعل التحول الأهم في مجال خدمات المعلومات كما يراه المؤلف هو ولادة المارد الإعلامي ((Aol Timer Warner)) بعد اندماج شركتي «أميركا أون لاين» و«تايم ورنر».
التجارة الإلكترونية
تبرز التجارة الإلكترونية كمحصلة طبيعية للتفوق الإعلاني في الإنترنت، مبشرة بتغيير خارطة النشاط التجاري وبيئته الاجتماعية. فعلى الرغم من أن عمر هذه التجارة لم يتجاوز ثلاث سنوات فإن قيمة مبادلات التجارة الإلكترونية فيها بلغت عام 1998م 30 مليار دولار، في حين لم تتجاوز عام 1997م 30 مليار دولار. وتتوقع شركة ((Forrester Research)) في دراسة لها أن يصل حجم التجارة الإلكترونية إلى 6,8 تريليون دولار في عام 2004م.
ومن أبرز ما يتضمنه مفهوم التجارة الإلكترونية:
ـ تجارة التجزئة الإلكترونية ((e- tailing)) وهي عبارة عن «كتلوج» إلكتروني أو سوق افتراضي. ويتيح هذا النوع من التجارة الإلكترونية للتجار عرض سلعهم على مدار الساعة وفي أي مكان في العالم . كما يمكنهم من تزويد عملائهم بالمعلومات وقبول طلبات الشراء. ومن اللافت للنظر أن تجارة التجزئة الإلكترونية هذه لم تغفل عن الحسومات وكوبونات التخفيض.
ـ التبادل الإلكتروني ((EDI)) وهو عبارة عن نماذج من الكمبيوتر تقوم بمكننة العمليات التجارية المختلفة مثل أوامر الشراء والفواتير وبيانات الشحن وعروض الأسعار وغيرها، وفي ذلك توفير للوقت والتكاليف. ويتطلب هذا النوع من المعاملات موقعًا محصّنًا على الإنترنت (شركة وسيطة) يقوم بترجمة الوثائق بين لغة (HTML))) وأشكال التبادل الإلكتروني.
ـ التبادل الإلكتروني ((e- business)) ويشير هذا المصطلح إلى ممارسة النشاطات التجارية على الإنترنت بما فيها خدمات العملاء والتعاون مع الشركات الأخرى كشراء قطع الغيار والتنسيق والتعاون حول الحملات الترويجية والأبحاث وما إلى ذلك.
ويلحق المؤلف بالحديث عن التجارة الإلكترونية استعراضًا فنّيًا لمشكلاتها كبطء شبكة الإنترنت والمخاطر المحتملة على الحماية والسرية لهذا النوع من التجارة، مرتئيًا أن ممارسة التجارة الإلكترونية لا تقل أمنًا عن ممارسة التجارة التقليدية إذا توخت معاملاتها الحيطة والحذر.
الإعلان على وسائل الإعلام
يشكل الإعلان ما بين 75% إلى 90% من الدخل الإجمالي للعديد من الصحف، في حين يمثّل التوزيع (عدد النسخ المباعة من الصحيفة) 10% إلى 25%. وتعمد بعض الصحف إلى جني دخل ثانوي من المنتجات الإعلانية ذات الجاذبية للقراء مثل: الملاحق الأسبوعية، دليل برامج التلفزيون، البحوث … وغيرها.
ومنذ منتصف الثمانينيات الميلادية نالت التغييرات الأساسية الخطيرة على الإعلام نصيبها من الإنفاق الإعلاني في المؤسسات الصحفية التي مثلها ظهور البريد المباشر ودليل الأوراق الصفراء وشركات الاتصال، وكان أشدها على الإطلاق الإنترنت بما مثلته نسب استخدامه الإعلاني من معدلات عالية كارتفاعها من عام 1998م إلى عام 1999م بزيادة نسبتها 141% مؤذنة بتفوق وشيك.
وجاء حديث المؤلف عن الإعلان على وسائل الإعلام الجديد مركزاً على تكنولوجياالتفاعل ((interactivity)) حيث يذهب برأيه فيها إلى ما توقعته مجلة ((Wired)) الأمريكية التي ترى أن هذا النوع من التكنولوجيا سوف يؤدي إلى موت الإعلان التقليدي. ويعزو المؤلف إيجابية تكنولوجيا التفاعل الرقمية (التلفزيون، الراديو، الإنترنت… إلخ) في التعامل مع الإعلان، والاستحواذ عليه إلى:
ـ إعطاء العميل المعلومات الضرورية التي تهمه عن السلعة أو الخدمة المعلن عنها.
ـ استمرارية الاتصال حيث لا تنتهي مهمة الإعلان بمجرد قيام العميل بشراء المنتج.
ـ الانتشار السريع لتحقيق أكبر قدر من الاختراق الإعلاني (بخاصة الإنترنت).
ـ الترفيه.
ويجيء التهديد في اختراق الإنترنت للإعلان من أبرز مخاوف العاملين في وسائل الإعلام التقليدية، ولا سيما مع توفير العديد من شركات الإنترنت لخدمات البريد الإلكتروني والمعلومات والأخبار والترفيه وخدمات التسوّق المنزلي والأدلة السياحية وأسعار الأسهم وأحوال الطقس وغيرها.
ويصنّف المؤلف أشكال الإعلان على الإنترنت وفق ما يلي:
ـ الإعلان على مجموعات الأخبار ((spamming)): وتتنافى هذه الطريقة وأخلاقيات الإنترنت المتعارف عليها. ولا تصح إلا في المجموعات المخصصة لها.
ـ الإعلان بوساطة البريد الإلكتروني: وعن طريق هذه الطريقة توصل الشركات رسائلها الإعلامية إلى ملايين الأشخاص. ويعتبر تعميم رسائل البريد الإلكتروني على الأشخاص الموجوديين على قائمة العناوين بافتراض أنهم جميعًا مهتمون بالموضوع أمرًا يتنافى مع أخلاقيات الإنترنت.
ـ القوائم البريدية الاختيارية: وتقوم بذلك بعض المواقع بجعل المستخدم يسجل لاستقبال رسائل البريد الإلكتروني باختياره لتزويده بعروض موجهة حول مجموعة أو مجموعات استهلاكية.
ـ إعلانات الرعاية ((SponsOrship)): ويعطي هذا النوع للعميل انطباعًا عن الشركة المعلنة بأنها ملتزمة وداعمة لمبدأ معين يمثله المنتج المعلن عنه ما يرفع من شأنها في نظر العميل.
ـ إعلانات الراية (Banner Ads))): وهي أكثر الإعلانات شهرة وتواردًا على الشبكة وتكون عادة مستطيلة الشكل. وقد تطورت مؤخرًا وأصبحت تمتاز بمزيد من الحركة والتفاعل.
وهناك عدة طرق لاحتساب تكلفة الإعلان الإلكتروني من أشهرها ربط التكلفة بعدد مرات ضغط المستخدمين للإعلان، أو مقابل المبيعات من الموقع، أو نظير استجابة المستخدمين برسائلهم للشركة المعلنة، أو مقابل انطباع المستخدم عن المنتج المعلن عنه.
الصحافة والإعلام الجديد
قبل حلول عام 1996م بدا واضحًا أن الشبكة النسيجية قد أصبحت وسيلة مذهلة للدخول على المعلومات ما أدى إلى تتابع إدراج الصحف عليها. ولا تزال حتى الآن بعض الصحف تكتفي بوضع صورة طبق الأصل لصحيفتها الورقية بسبب الإدارة التقليدية للموقع، والتي لا تعي المزايا المتنوعة التي تتيحها شبكة الإنترنت كالصوت والصورة والتفاعل المباشر مع القرّاء ومساحة الموقع الواسعة.
ولم تنجح عملية تحصيل اشتراك شهري من القارئ نظير دخوله الموقع باستثناء حالات قليلة كنجاح صحيفتي «وول ستريت» و«نيويورك تايمز» الأمريكيتين، حيث جعلت الأولى اشتراكها الإلكتروني أقل بثلاثين دولارًا من اشتراكها الورقي، في حين أبدعت الثانية في تصميم موقعها ودعمته بالتفاعل الحيوي.
ومن بوادر الإعلام الجديد ظهور وحدة الإعلام الإلكتروني الجديد ((New Media Department)) داخل المؤسسات الصحفية ومهمة العاملين بهذه الوحدة كمهمة العاملين في إخراج الصحف التقليدية، إلا أنهم يختصون بالبعد الإلكتروني للصحيفة. وانعكاسًا لهذه الوحدة تمكنت الصحيفة الإلكترونية من نشر الأخبار بشكل سريع ومفصل، ومن التعامل مع الصوت ولقطات الفيديو والتفاعل.
وعلى ذلك أصبح العمل الصحفي الجديد يتطلب من المؤسسات الصحفية صحفيين ذوي خبرة واسعة بالإنترنت والأجهزة المصاحبة مثل الكاميرا الرقمية وكاميرا الفيديو، كما يتطلب موظفين متخصصين في البحث عن المعلومات (researchers))).
ويدرج المؤلف من واقع تخصصه وخبرته عدداً من النصائح التي يراها مهمة لكل موقع صحيفة على الإنترنت، وهي:
ـ إعطاء القارئ فرصة المشاركة برأيه من خلال منتديات الحوار.
ـ استخدام الوسائط المتعددة بربط الخبر الصحفي بعناصر الصوت والصورة والحركة.
ـ الاندماج في وسائل إعلامية مشابهة.
ـ تحويل الصحيفة إلى موفر لخدمة الاشتراك على الإنترنت.
ـ إصدار رسائل البريد الإلكتروني ذات طابع شخصي ومحتوى متميز.
ـ تمييز الموقع بالأخبار العاجلة والتغطية المستمرة للأحداث والروابط المفيدة وتزويد قارئه بالمعلومات الضرورية عن كتّاب في الصحيفة.
مستقبل الصحافة المطبوعة
من الصعب إعطاء إجابة واضحة ومحددة عن الاتجاه الذي يسير إليه مستقبل صناعة الإعلام أو الصحافة بشكل خاص. والاحتمال الأكبر هو أن تستمر الإنترنت في النمو بحيث تصبح وسيلة اتصال جماهيري مثلها مثل الصحيفة والتلفزيون والراديو. وهذه الزيادة الحاصلة في عدد المصادر سوف تؤدي إلى تجزئة اهتمام المستخدم ووقته بين أكبر عدد من وسائل الإعلام، وبالتالي انخفاض الإقبال على الصحافة الورقية. وسوف تتحول المؤسسة الصحفية من مجرد ناشر للصحف والمجلات إلى ناشر للمعلومات فتصبح المؤسسات الصحفية شركات إعلام بدلاً من شركات نشر.
ومن المتوقع أن يستمر تطور مواقع الصحف على الإنترنت من حيث الشكل والمحتوى مع تزايد مطّرد في عدد القرّاء تماشيًا مع التطورات الحاصلة في مجال عرض النطاق(((band width) والتي تعني سرعة أكبر في الارتباط بالإنترنت. كما يتوقع أن تقوم المؤسسات الصحفية بالدخول في اتفاقيات تحالف مع القنوات التلفزيونية لإيجاد موقع محدد لها على الإنترنت يحتوي مزايا الوسيلتين.
-وتبعًا لهذا ستعتمد غرفة الأخبار على الإنترنت ووسائل الاتصال اللاسلكي بشكل أساسي وسيكون عدد العاملين بها أقل من نظيرتها التقليدية. وستكون هذه الغرفة للعديد من وسائل الإعلام وفيها خدمة العناوين عبر خدمة الهاتف والجوال والبيجر، مع تنوع في شكل ومضمون الرسائل تبعًا للمادة والوسيلة.
-ستأخذ الصحيفة الطابع الشخصي حيث سيكون بمقدور المشتركين طباعة واستلام الصحيفة داخل منازلهم مباشرة، وذلك عن طريق استقبالها وطباعتها بوساطة الطابعة المنزلية المتصلة مباشرة بالإنترنت دون جهاز كمبيوتر. وسيتمكن القارئ من اختيار المواد التي تدخل حيز اهتمامه.
ـ من المتوقع أن تنتشر في الأسواق لوحات إلكترونية قابلة للحمل يمكن استخدامها في قراءة الصحف والمجلات شبيهة باللوحات المستخدمة لقراءة الكــــــتب (((e-book readers)). ويتوقع بعض المتخصصين أن تبدأ هذه الأجهزة بالانتشار قبل حلول عام 2010م بشكل مماثل لأجهزة الجوالات في التسعينيات بعد أن يتم التغلب على مشكلتي ارتفاع أسعارها وعدم نقاوة شاشاتها.
وبعد، فيمكننا القول إن الكتاب بمجمله يعطي دلالة واضحة على البعد التقني الذي يمتاز به المؤلف حتى إننا في بعض فصول الكتاب نشعر بأننا أمام كتاب تطبيقات حاسوبية، أو مرجع موثق شامل لوسائل الاتصال الحديثة مع ما أخل به من التكرار والتداخل!
ومن وجهة أخرى يصعب اعتبار الكتاب إجابة محددة عن سؤال (هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟) ولا سيما بعد أن قرر المؤلف في مقدمته: (أن الصحافة المطبوعة وجدت لتبقى، وأن ظهور وسائل إعلام جديدة لا يعني انتهاء أو قرب انقراض الصحيفة، غير أنه يعني بالضرورة اقتطاع وقت معين منها لصالح الوسيلة الجديدة). والذي يبدو بعد تفحص جميع فصول الكتاب العشرة أن المؤلف قصد من هذا التساؤل إثارة اهتمام القارئ بمصير الصحافة المطبوعة بعد دلائل القفزات الإعلامية لصالح صحافة التكنولوجيا!


جهد مشكور أخ عبد الوهاب
جعله الله في ميزان حسناتك
مبروك المدونة
ونفع الله بها قارئها وكاتبها
أخوكم
خالد النجار
منى السعيد
اللهم بارك له في هذه المدونه التى سوف نستفيد منها باذن الله والي الامام .. اخوك ابوعبدالاله
رحم الله شوقي عندما قال
لكل زمان مضى (آية) وآية هذا الزمان الصحف
وقال آخر بعد انتشار الشريط وخاصة في فترة الصحوة الدعوية الاسلامية
لكل زمان مضى (آية) وآية هذا الزمان الشريط
وتمنيت لو كنت ممن ينظمون الشعر لقلت
لكل زمان مضى (آية) وآية هذا ( الواقع الافتراضي ) لأن الأمر أكبر بكثير من الانترنت وأكثر امتاعا وتشويقا . أما مصير الصحف الورقية فهو بلا أدنى شك ستنتهي يوما ما وهذا الأمر أيضا سيطال الأوراق المالية ! ! وهي سنة كونية حتمية والدوام لله سبحانة .
لقد ذكرت في تعليقي السابق :
أن “مصير الصحف الورقية فهو بلا أدنى شك ستنتهي يوما ما “
وبعد أشهر قليلة قرأت العنوان التالي :
“الصحف التقليدية تواجه “الزوال” أمام “مد “الإنترنت”
على هذا الرابط :
http://www.alarabiya.net/articles/2008/12/16/62165.html