حفلة طلاق
نوفمبر 17th, 2009 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

عند بوابة القصر الفسيحة صافح “بدرٌ” جمعاً من رجال تأنّقوا بثياب مهفهفةٍ مهندمة.. لم يُداخله شكٌّ أنهم من خاصة أهل الزوجين.. دعوه إلى الدخول مرحبين محتفين. بحث بينهم عن صديقه “سليمان” فلم يجده.. أيقن أنه سيلقاه لا محالة داخل القصر بجانب أخيه العروس يتلقى التبريكات والتهاني.
سار في ممر رحب ازدانت جوانبه بجرار الورود وأسقفه بثريات البلور.. انتهى به إلى مسرح غاص بالضيوف.. وقف حائراً لا يلوي على شيء.. أشار عليه شاب يافع يرتدي قميصاً مزركشاً ويحمل مبخرةً ذهبيةً أوشك دخانها أن يخفي ملامحه بالتفضل في الجلوس خلف مقاعد كبار الشخصيات.. سأله عن “سليمان بن حمد..” أجابه أنه لا يعرف أحداً هنا غير عمه “حسن” صاحب مكتب الخدمات الذي يعمل به.
في الجانب الأيمن من خشبة المسرح منصةٌ علاها لاقطٌ مطوّق بشعار إحدى القنوات الفضائية. تذكّر وهو يُدير بصره في أرجاء المسرح حواراً جرى بينه وبين “سليمان” حول احتفالات الأفراح الرجالية في مجتمعهم وأنها لا تكاد تختلف كثيراً عن مجالس العزاء! أوحى له المكان أن أسرة “سليمان” فعلتها وخرجت من حصار التقاليد، ولعل الدفوف تسخّن الآن وفرقة الاحتفالات تصفّ راقصيها.
نفخة إعلاميٍّ مألوف الوجه على اللاقط تكفّلت بإشعار الضيوف أن مراسم الاحتفال على وشك الابتداء.. افتتحه بشكرٍ جزيلٍ لأصحاب السعادة والأساتذة وللضيوف على إجابة الدعوة وتجشّم الحضور.. ثم ترك اللاقط لقارئ مجوّد رتّل آياتٍ قرآنية أضفت على المكان خشوعاً لم تعكره سوى نغمات الهواتف المحمولة هنا وهناك. وقع في نفسه أنّ أحدهم اختار لحظات غير مناسبةٍ للاتصال به.. تفحّص جيوبه فعلم أنه نسي هاتفه في السيارة!
خطواتٌ وئيدة سارها رجل ستّيني يتأبّط عباءةً حريريةً إلى المنصة. لأول وهلةٍ ظنّ “بدرٌ” أنّ هذا الشيخ هو مأذون الأنكحة الذي سيعقد للعروسين وأن ما سيقوله هو خطبة النكاح. راقت له فكرة أن يسمعها كلّ المدعويين.. ذهب ظنّه إدراج الرياح بعد أن استهل الشيخ حديثه بأبيات شعرٍ غزليةٍ عن لواعج الفراق ومحامد الوفاء.. تحشرج صوته معها فالتزم الصمت برهةً ثم صرّح للضيوف أنه سيُسقط في هذه الليلة ستر الحياء ويُفشي لهم من أسرار تجربته مع زوجتين الأولى اقترن بها في مطلع شبابه والثانية قبل عشر سنوات.
على مدى نصف ساعة أفاض الشيخ بشكوى من معاناته الطويلة مع زوجتين واحدة تطلبه نهاراً وأخرى ليلاً.. قال بتجرّدٍ فاضح: “إن الأولى لا تكفّ عن مُجالسته والثانية لا تكفّ عن مُهاتفته، وإن الأولى تطلب السكن والقرار والثانية تلزمه الترحال والأسفار، وإن الأولى ترى شيبه وقاراً والثانية تراه عاراً..!”. بل ذهب إلى أبعد من ذلك فباح بخشية الأولى من طمعه بسواها وخشيته هو من طمع الأقران بالثانية!
وعلى هيئة المعترف رفع راحةَ كفّه اليمنى في وجوه الضيوف وأشهدهم على طلاق الثانية طلاقاً بائناً بعد أن بلغت الغيرة بزوجته الأولى مبلغاً أتى على الأخضر واليابس، وبعد أن حرمه وهن المشيب من القيام بحقّ الثانية ومطالب شبابها.
اعتقد “بدرٌ” أن ما قاله الشيخ ضربٌ من تخاريف المشيب أو خيالات الشعراء وأن استطراف الضيوف المنتظمين في المسرح وتصفيقهم له مجاملةٌ بغيضة، لذا لم يستبعد أن يصيح أحدهم مُعترضاً على كلامه الماجن.
بعد عودة الإعلامي إلى اللاقط استأذن الضيوف باسم شركاتٍ ومؤسساتٍ وشخصياتٍ وجيهةٍ بدقائق إضافيةٍ عن زمن الاحتقال لتقديم الهدايا التكريمية للشيخ.. كانت الهدايا مبالغَ ماليةٍ وسيارةً أوروبيةٍ ودروعاً تذكارية وشهاداتٍ تقديرية.. استشف “بدرٌ” من تنوّعها ونَفاستها أن الزوجة الأولى من أسرةٍ ثريةٍ جليلة، وأن الطلاق البائن لضَرّتها متعلقٌ بنذورٍ ووعودٍ من ذويها.
وقف الشيخ وأقرباؤه وأصهاره وأصدقاؤه وبعض حاشيته لالتقاط صورٍ تذكارية لهذه المناسبة.. تكالب المصورون أمامهم حتى لم يعد يرى غير أقفيتهم ووميض آلاتهم.. راودته رغبةٌ في أن يصعد المسرح ويتخلل المصورين بحثاً عن “سليمان” فيتحلل من واجب التهنئة ويغادر المكان.
خلف طاولة الوليمة الممتدة بضعة أمتار احتشد الضيوف.. أشغلت مسمعه جلبة الأحاديث والضحكات وخشخشة الملاعق والأشواك. حمل صحنه ووضع فيه ما يسدّ رمقه.. أراد أن يعبر إلى طاولات الجلوس فاعترضه رجلان وقفا يتناجيان حامليْن صحنين غصّا بالمشويات والمقليات والمعجنات.. قال أحدهما لصاحبه: “لا عليك.. يطلّقها أبو مشهور اليوم ويتزوّجها أبو شاكر أو أبو طارق غداً.. هذه تُغري باسمها فقط”. أشاح بوجهه عنهما وبصوتٍ خافتٍ تعوّذ بالله من شرّ الحاسدين. ردّ الآخر متمطّقاً: “تعرف أحداً لا تغريه رئاسة مجلس إدارة شركةٍ رأس مالها خمسون مليون دولار؟!”. لم يتمالك نفسه حينها.. وكز الأقرب منهما وسأله: “أيّ إغراءٍ وأيّ رئاسة؟!”. أجابه: “ألم تسمع ما قاله الشيخ أبو مشهور في حفل تقاعده وكيف قرن بأسلوبٍ مثيرٍ بين زوجته الأولى أم مشهور وزوجته الثانية رئاسة مجلس الشركة؟! أهناك أدلّ من هذا الإغراء؟!”
على عجلٍ ترك “بدرٌ” صحنه عند طرف الطاولة مندفعاً خارج القصر.. ركب سيارته.. فتح بطاقة الدعوة.. تمعّن فيها: “يسرنا دعوتكم لحضور حفل زفاف ابننا الشاب حاتم في قاعة السعادة..” مدّ بصره إلى لوحة القصر.. أدرك أنه عند “قصر المراسيم”.. حمل هاتفه ونظر فيه فوجد خمسة اتصالات من “سليمان” لم يردّ عليها ورسالةً واحدة.. فتح الرسالة فإذا فيها: “انتظرتك حتى الحادية عشرة عند مدخل القاعة ولم أجدك.. أرجو أن تكون بخير”.


أظمتني الدنيا فلما جئتها ## متهللا مطرت علي,,,, مصائبا !!
المتنبي
أسلوب رائع حبكة أروع
(( ولا أزيد ياعبده))
عـادت ركــاز والعود أحمد..!
” بدر ” أخطأ في قراءة البطاقة فكانت النتيجة أن ضـل الطريق
حين ضل الطريق لعله استبطأ سليمان
ولعل وساوس الظن تسللت إلى نفسه
ونحن كم نخطئ في قراءة الوجوه فنضل الطريق نحو القلوب
وكم نخطئ في قراءة الأحداث فنضل الطريق نحو السلامة
وكم نخطئ في قراءة التاريخ فنضل الطريق نحو الحضارة.
” بدر ” صورة مصغــــرة من عالــم عـربــي ننتسب إليه (بلا (أدنى) فخر)
وهل رأيت أقواساً بهذا الشكل؟ .. في حياتي ما رأيت “قوس النصر”
قصــة لا يبدو أنها رمزية لكنهــا عميقـة المدلول.
حارت لغتي في وصف بديع ما كتبت ،،
عجباً ..
كيف لم يدرك بدر أنه قد ضل الطريق ..!
وقفة ..
عندما نضل الطريق و لا نجد علامات تهدينا لتحقيق أهدافنا ..
ندرك حينها مدى حاجتنا إلى امتلاك مهارة قراءة رسائل الحياة من حولنا !
بوركت ،،
اولا ابداع في الاسلوب السردي وما وراءه من غموض . وحقيقه ما قاله ابو مشهور .
ربما عدم الحرص هو من اضاع بدر , وربما لو حرص بدر على الدعوه لبحث عن صديقه سليمان .
ولو ان الهاتف المحمول موجود أو أنه ذهب إلى المركبة لاتصل على سليمان وحل المشكله .
جزاك الله خير
حامد الإقبالي
لا ذقت مرّأً ولا عانيت عسرا.. أستعذب حسك لما يتندى بالشاعرية فمرحبا بكما.
الرائع أبو طلال
تتجلى فيك مهارة قراءة نصوصي على نحو أكون معه أول المنبهرين!
كثيرا ما نضل مقاصدنا ونتيه في شكوك وظنون.. لذا يلزمنا أن نحمل معنا خرائط دقيقة نستدل بها وإلا فستأخذنا تفرعات الطرقات إلى حيث لا نعلم.
جعل الله طرقاتنا مؤنسة بصحبة الطيبين أمثالك
حقاًّ -أستاذة مناهل- نحتاج إلى تدريب أنفسنا على مهارة قراءة رسائل الحياة الرمزية والصريحة في كل ما حولنا..كذلك نحتاج أن نتقبل العودة إلى أدراجنا حين نستيقن أننا في المسار الخاطئ.
بوركت همتك
نعم ضل الطريق
لكن ما الذي دفعه الى الاستمرار في التوهان !!
والبحث بالاعين !!
من خلال قصتك
ليست بدر طوال الوقت يبحث عن سليمان بل هناك مثيرات أعاقت رحلة البحث ، حتى اصبح بواقع الصدمة واستجمع نفسه ليخرج …
مدونة رائعــة
حقاً استمتعـت هنـا ~
دمت بخير
..{ طهر
العزيز أبو عبدالإله
لعلك توافقني الرأي أن تداعي الأحداث بشكل عفوي متداخل يمنح القصة قبولاً لدى القرّاء الفطنين أمثالك الذين لا تمر عليها الثغرات فيها مرور الكرام.
سيناريو ممتع يمكن أن أسير بالقصة فيه بعد كل “ربما” أوردتها في تعليقك.. وربما أفعل!
عبد الوهاب المكينزي سارد له مذاقه الخاص، متولد من حساسية لغته القصصية. يطرح قضاياه بعفوية محببة، دون زعيــق. وبالرغم من أن هذه القصة تنتهي بمفاجأة، حيث يحضر الراوي الحفل الخطأ؛ وبعض النقاد لا يميل للنهايات المفاجئة في القصة القصيرة، إلا أنها – المفاجأة – هنا مقبولة، إذ كانت وسيلة الراوي لأن ترصد عيناه وأذناه المواضعات الاجتماعية ويضعها أمام عيوننا. ولجأ المكينزي – بذكاء – إلى إبعاد وسائل الاتصال (الموبايل)، ليكتمل بناء القصة، فنصدقها.
أعجبتني القصة، بالرغم من أن كاتبها يوردها في مدونته تحت اسم (موضوع)، ولا ينسبها لجنس القصص .. لماذا ؟
طهر
البعض منا يحتاج كل البراهين الممكنة ليتأكد أنه في المكان الخاطئ.
بالنسبة لـ”بدر” فما رآه من غرائب تلك الليلة جعله يسهو لبعض الوقت عن غايته من الحضور.. ولعلك توافقينني أن ذلك يحدث معنا أحيانا.
مرحبا بحضورك
كتاباتك تعبر عن صوتك المميز…. دائما هناك رسالة مضمرة تصلنا عبرها ونهاية غير متوقعة، يعجبني تعاطيك مع هذا الفن الصعب و قدرتك على التركيز وشد الانتباه وأوافقك على مهارة الأستاذ أبي طلال في قراءة نصوصك .أحييك من الأعماق.
نحتاج لها النوع من الأخطاء التي وقع فيها ” بدر “ولولاها لما اكتشفنا عوالم جديده !
قصة استمتعت بقرائتها وأشكر الله أن هيأ لي المرور هنا.
بوركت حروفك
العزيز رجب السيد
يحتاج أي كاتب يسعى لتنويع تعامله مع النص الأدبي إلى مثل إشاراتك الدقيقة الموفقة.. فمنها يتلمّس مكامن نجاحه ونواحي قصوره.
إن مما أراه صعباً في التعامل مع القصة هو قدرة الكاتب على البقاء في حدود منطق الواقع والتحليق في فضاء الإبداع.
أستاذي، ليست هذه المرة الأولى التي أستدل بها منك على مخابئ الروعة فيما أكتب وأنقل.. أمنياتي أن تبقى قريبا.
صعب أن نقع في مثل هذا الخطأ ولربما كان ضلال الطريق يودي بنا إلى الهلاك أو إلى النعيم.
سردية لطيفة رغم أنني في أولها صعب علي قليلا فهمها، فاحتجت إلى قراءتها ثانية لتصبح أوضح..
دوما أخي عبد الوهاب تلعب على الشخصيات في محاولة لإسقاط الضوء علي مجتمع فيه شيء ما من الغلط!
سلم قلمك الجميل.
أستاذتنا الكريمة سهام الشارخ
الأعين الفاحصة التي تمر على سطوري تخلع عليها ملامح جديدة تجعلني مدفوعاً إلى قراءاتها من جديد!
ستظل هذه العيون مطلباً أكيداً لأني أستعيد معها اكتشاف مضامين نصوصي وأميزّ الخيوط الدقيقة التي تداخلت في صياغته.
أعتز بإطرائك
الأستاذة فرح
يقدم الأمريكي الدكتور “واين دبليو” في كتابه “مواطن الضعف لديك” فصلاً خاصا باكتشاف المجهول.. يطلب فيه من القارئ أن يتخيّل أن أحدا حمله في طائرة هليكوبتر وألقى به في أحد حقول جمهورية الصين.
“دبليو” يرى أن القارئ أحد حالتين: إما أن يسعى للتأقلم مع الواقع الجديد، أو يظل يندب حظه العاثر إلى ما شاء الله!
أظنك اخترت سلفاً الحالة الأولى.. وهو الاختيار الأصوب لاستمرار الحياة.
دام فرحك
عمر مضى..
لم أقرأ فيه كـ هذه..!
سعيدةٌ أنا..
أن وهبتني فرصة التعرف على مدونتك التي..
ألهمني تصفحها حكمة..!
شرف أن أترقب تواجد كتواجدك..
كن بخير..
اخي الكريم ..
اللبس خطاء يقع فيه كثير من الناس
واحياناً يكون اللبس محرج جداً جنبنا الله اياه
في البدايه كنت اعتقد انها حفلة طلاق فعلاً لكن اتضح لي غير ذلك .
في قبيلة الطوارق النساء عند الطلاق تحتفل بطلاقها وتقيم الولائم وتطلق الغطاريف.
قصه جميله ..استمتعت بقرأتها
شكراً لك ..ودمت بخير
الأديبة أمان السيد
محاولة إسقاط الضوء علي الجوانب المظلمة والقدرة على تمييز خيوط هذا الضوء وإدراك مداها مطلب نفيس اجتهدت في تحقيقه خلال هذا القصة.. وأظنني حتى الآن في طور الاجتهاد.
تحياتي وتقديري لك
الأستاذة آمنة
كلماتك أضفت على صفحاتي تألقاً جديداً.. فلك مني أصدق الأمنيات بأن تجدي فيها ما يروق ويرقى لذائقتك الفريدة.
تقبلي تقديري
الكريمة بوح القلم
في زمن طغيان الماديات يحتفل الناس لأدنى سبب.. يحتفلون كثيرا لكنهم لا يحسون نبض الحياة الحقيقي.. ومن يدري فقد تخفي مظاهر الأفراح جروح كبرياء أو مباهاة وادعاء؟!
جميل ياعبدالوهاب .. قصة رائعة بمضمونها .. وبأسلوبك ولغتك
سلمت
الأستاذ دخيل الخليفة
أسعدني إعجابك بقصتي وحضورك الكريم.. فشكرا شكراً لك ومرحبا مرحبا بك.