عرق الكادحين
فبراير 19th, 2008 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

أول ما يتنبأ به من يغادرون المراكز الإدارية وتفرغ أيديهم من صلاحياتها أن انهيارا وشيكا سيقع على رؤوس العاملين، وأن خلائفهم (أيا كانوا) سوف يعجزون عن حمل المسؤوليات الجسيمة التي أثقلت كواهلهم، فضلا عن نجاحهم في الإضافة والتجديد والتحسين..
إذا ما حيّدنا التفسيرات اللاحقة بتنبؤات هؤلاء المديرين الراحلين التي يشير معظمها إلى امتلاكهم خوارق القدرات واختصاصهم بفرائد الطبائع فإننا سنفاجأ أن فيها نسبة عالية من الصحة ومقاربة واقعية للصواب! فالضغوط التي مارسوها على من عمل تحت إدارتهم طوال فترة سيطرتهم على المؤسسات لرفع سقف الإنتاج وتجويده (إرضاء للسلطة التي تعلوهم في السلم الوظيفي) وما زامنها من إهمال وحرمان للعاملين من تحقيق طموحاتهم في التطور والتقدم – أخلت بالموازنة بين حجم وكميةالمادة المنتجة وبين قدرة العاملين على مواصلة إنتاجها.
ولعل المؤسف في الأمر أن الإخلال بهذه الموازنة الحيوية التي يعتبرها خبراء الإدارة أساسا لنجاح المنظومات العاملة على المدى الطويل لا يمكن كشفه وتداركه إلا بعد مدة ليست بالقصيرة مما يؤدي إلى استنزاف رصيد المؤسسات من طاقات العطاء والابتكار البشرية، والى منح المتسبب فيها مجالا رحبا للمقارنة بين ما كان وما صار ليصبح المذنب محسنا والمحسن مذنبا!
كثير من المحاولات التي نبذلها بين الحين والآخر لإنعاش مؤسساتنا المترهلة تنتهي بدعمنا لها ماديا فقط، دون الدخول في تفاصيل أجواء العلاقات الإنسانية بين إدارييها وموظفيها (بشكل خاص)، وكأننا بذلك نصرف أدوية تهدئة مؤقتة لمعالجة النتائج ونتحاشى استظهار وفحص الأسباب! لذا لا يحق لنا الاستغراب من أن يسود الإحباط في المؤسسات التي تمتاز بدفع الأجور العالية لمنسوبيها ما دام مديروها يسابقون الزمن في تحسين مكانتهم (المعرفية والوظيفية والاجتماعية..) من عرق الكادحين الذين يقبعون تحت أكوام من المهام في انتظار تكريم لا يجيء.
لا أظنني بحاجة إلى الإشارة إلى صفاء ما ذكرته من شوائب المقاصد وتلميحات الشكوى، لأنه في حقيقته انطباع صال وجال في حيز العقل وحدود المنطق بعدما استوقفتني حكاية مفذلكة بعث بها قريب مشفق يظنني جديرا بالبراهين اللطيفة! تقول الحكاية:
((اتفق فريق التجديف الشراعي العربي مع فريق التجديف الشراعي الياباني على التباري والتسابق سنويا، وقبل مباراتهم الأولى استعد الفريقان بما يلزم.. ومع التنافس الشديد الذي ظهر في بداية انطلاق المباراة إلا أن الفريق الياباني حسم نتيجة المباراة لصالحه بفارق ميل واحد عن الفريق العربي.
هذه الهزيمة أغضبت إدارة الفريق العربي، مما دفعها إلى أن تعلن للملأ تصميمها على الفوز في المباراة القادمة، وتحقيقا لذلك قامت بتشكيل لجنة من المختصين والخبراء لتحديد أسباب الهزيمة وتقديم الحلول المناسبة.
وبعد الدراسات المعمقة والمتشعبة واللقاءات الموجزة والمطولة توصلت اللجنة إلى أن الخلل في الفريق العربي يكمن في وجود سبعة كباتن ومجدّف واحد، لذا أوصت بتغيير البنية التحتية للفريق، بحيث يصبح فيه أربعة كباتن يقودهم لاعبان رئيسيان بالإضافة إلى مسؤول مختص بالتوجيه، كما أوصت برفع كفاءة اللاعب المجدّف ومنحه شيئا من الحوافز.
في السنة التالية فاز الفريق الياباني أيضا وبفارق ميلين، وكردة فعل حاسمة قامت إدارة الفريق العربي باستبدال اللاعب المجدّف فورا بسبب أدائه غير المرضي، وتقديم مكافأة تشجيعية مجزية لبقية اللاعبين السبعة نظرا لمستواهم العالي الذي ظهر جليا خلال مرحلة التحضير.
ومع تأكيد إدارة الفريق العربي على رضاها عن خططها وإستراتيجيتها وحوافزها ومكافآتها إلا أنها ارتأت ضرورة تطوير أدواتها، لذلك ستعكف على تصميم قارب جديد استعدادا لسباق العام القادم!))


أوجزت فأبلغت.
للاسف أنه من خلال تجاربنا نجد المدراء بتبادلهم على الكراسي ينصب اهتمامهم على زاوية معينة واحدة الا _ماشاء ربي_ وهي(التمركز حول الذات) اقصد بها انانية التفكير بمعني يأتي هذا المدير الجديد للكرسي فيبدأ جاهدا بالبحث في أن يلتقط هفوات من سبقه ليضع منها له نجاحا في التغيير، يفتش هنا وهناك حتى لاتسقط منه ورقة قد يجد فيها مراده…..حتى يصبح المدير المتميز وحده هو؟
لكن قلة من نجده يسعى الى: تحسين مهارات العاملين معه ,بناء الثقة,توطيد العلاقات الانسانية,اكتشاف المهارات والقدرات لكل موظف وتوجيهها في مكانها السليم,تقدير الجهد المبذول ايا كان لكل يدا تسهم وأسهمت في العطاء بهذه المؤسسة (فنحن اعتدنا للاسف أن لانقدر الامن يحصل على الدرجة العالية فقط)ومادونها فلا ينظر لها نهائيا.
والطامة الآخرى ان من كان عند المدير السابق محبوب ومقرب , فقل له يامسكين زمانك ولى وستصبح الان م المنبوذين لذنبك السابق انك كنت محبوب.
لهذا نحتاج إلى مدراء ذو فكر منفنح مرن متفهم مقدر مترفع عن سفاسف الأمور مهتم بالعلاقات الانسانية والتواصل الفعال والحوار البناءو…و…..
وصدقوني انها اشياء بسيطة لكن من يدركها ويعرف مدى اهميتها من ؟
أطلت عليكم ومنكم العذر…..
وبوركت اخي الكاتب على انتقاء الافكار الجديدة والمشوقة لمقالاتك:)
مقال جميل
وفي الصميم
بالتوفيق
ومزيدا من العطاء
مميز ولاتعليق كفيت ووفيت ولازلنا بانتظار كتاباتك وجزاك الله خير اخوك ابو عبدالاله
عرق الكادحين عنوان معبر وجميل له وجهان
الأول: صورة الموظف الذي يحمل ضغوط العمل وإنتاج المؤسسة وأخطاء الإدارة وهو تحت وطأة الإحباط .
والثاني صورة الديكتاتور الذي ركب كرامة موظفيه لتنجح المؤسسة على جهود الكادحين وعرقهم.
لكن المضحك المبكي ما يحدث أحيانا من إيقاع البطش بهم فقط لأنهم الأضعف في الهيكل الإداري ولأنهم الكادحون الذين ينتظرون تكريما لا يجيء.
بوركت أناملك … أبا يوسف
الأستاذ سعود
أنت تصف بدقة ما يجري في كثير من مؤسساتنا .. فكل إداري جديد ينشغل أولا بتشويه إنجازات من سبقه أكثر من عنايته يتجويدها وتحسينها!
نحن بحاجة إلى فهم عميق للغايات البعيدة من المنصب الإداري.. غايات تصل إلى النجاح الجماعي والنهضة الشاملة.
شكرا أستاذ سعود فرأيك أضاف ظلالاً بعيدة للمقال.
شبيه الريح
اعتز برأيك
أخي أبو عبدالإله
لا أفشي سرا حين أقول إنك من زودني بحكاية المقال.
شكرا لدعمك المتواصل
بدون مجاملة استمتعت بقراءة هذا المقال..وضحكت بمرارة عندما تجسد لي واقع مؤسساتنا من خلال الحكاية التي أوردتها.
الي المام دائما ولا تحرمنا من التواصل معك
أخي أبا طلال
أعتقد أن الذين يبحثون عن تكريم عند أمثال هؤلاء المديرين كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. لذا فإنهم إن عاندوا الوقت ووجدوها فلن يسلموا من وخزها!
دمت متألقا أبدا
الدكتور أحمد الزكي
واقع المؤسسات التي تختل فيها الموازين مدعاة للضجر والإحباط إن كنت فيها، ومجلبة للتندر والقكاهة إن كنت خارجها!