أعلى النباتات قدراً
ديسمبر 9th, 2008 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

تعد نخلة التمر الشجرة المباركة أهم المصادر النباتية التي اعتمد عليها الإنسان منذ القدم خصوصاً في الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غرباً إلى أواسط آسيا شرقاً.
وهي الشجرة التي تواتر ذكرها في الكتاب العزيز في ست عشرة سورة فكانت أعلى النباتات قدراً لكثرة الورود والتقديم، قال تعالي:((وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه))، وأشرف الفواكه مكانة في قوله تعالى:((ينبت له به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)).
وقد رفع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قدرها في تشبيهها بالمسلم. فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تحتّ ورقها؟ فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثَمّ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. فلما لم يتكلما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة)). كما كرّمها في نزوله من منبره ليواسيها على فقده لمّا صاحت صياح الصبي.
لقد اتصلت النخلة مع المسلمين الأوائل بحميمية حملت مقولاتهم ملمحاً منها. ففي وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد- قائد حملته إلى الشام مقارنة بين النخلة والنفس ((ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأةً ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه)). وفي قول حسان بن ثابت:
أبلغ عُبيداً أني قد تركت له
من خير ما يترك الآباءُ للولدِ
***
الدارُ واسعةٌ والنخل شارعةٌ
والبيض يرفلن بالقسيِّ كالبردِ
-إشارةٌ إلى القيمة العالية للنخلة حتى أصبحت قرينة للنفس البشرية وأثمن ما يورثه الآباء لأبنائهم!
لذلك لا غرابة أن يعضد القول المأثور: ((أكرموا عمتكم النخلة)) مقاربة أحد الباحثين بين النخلة والطبيعة البشرية في عدة ملامح، منها:
- *أنها ذات جذع منتصب دائماً.
- *أن منها الذكر والأنثى.
- *أنها لا تثمر إلا حين تلقّح.
- *أن تموت إذا انقطع رأسها أو تعرض قلبها لصدمة قوية.
- *أنها لا تقدر أن تعوض سعفها إذا قطع (كما لا يستطيع الإنسان تعويض أطرافه).
- *أنها مغشاة بالليف الشبيه بشعر الإنسان.
ويوافق هذه المقاربة الإحساس الشعري النابه لدى عبدالرحمن بن معاوية-صقر قريش:
تبدت لنا وسط الرُّصافة نخلةٌ
تناءت بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ
***
فقلت شبيهي بالتغربِ والنوى
وطول ابتعادي عن بنيَّ وعن أهلي
***
نشأتِ بأرض أنت فيه غريبةٌ
فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
والحقيقة أنه يمكن تحميل ظاهرة استهلاك ثمرة النخيل طوال السنة إلى بعدين:
أحدهما يختص بطبيعة الثمرة التي يمكن أكلها في مختلف أطوار نموها (البسر، الرطب، التمر)، وحفظها بيسر وسهولة زيادةً على رخص ثمنها وقيمتها الغذائية الكبيرة، وتحمّل شجرتها للمناخات الحارة ولقلة المياه وملوحة التربة.
وثانيهما يختص بطبيعة المستهلك الذي ألف جوار شجرتها وتداخلت مع تاريخه الإقليمي والعقدي.
لقد ارتبط التمر باكراً في الذاكرة الجمعية الإسلامية وتشكّل ضمن صميم التشريع الإسلامي في أركانه الخمسة، فجاء أحد أصناف المال الأربعة التي تجب فيها الزكاة، وأول ما يفطر به الصائم، وكان الحجاب الواقي من النار ((اتق النار ولو بشق تمرة))، وكفارة المعصية في قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان بعد أن أعطاه عذقاً من تمر:((خذ هذا فتصدق به)).
وتشعب التمر في الرقائق مدحاً في ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها: ((أنت أطيب من اللبإ بالتمر))، وأدباً في تناوله ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن صاحبه)).
وفي بعد حياتي احتل التمر العمود الفقري لغذاء الأسرة فكان كل ((بيت لا تمر فيه جياع أهله))، والمخزون الإستراتيجي للتموين العسكري حين كان المحاربون يطحنونه ويضعونه بأكياس يعلقونه في رقابهم ويأكلون منه بين الفينة والأخرى ليبعث في أجسادهم الحرارة والقوة والنشاط.


الحقيقة يا أستاذ عبدالوهاب أن شهادتي في النخيل مجروحة، بوصفي أحد سكان وادي الدواسر المشهورة بزراعة النخل، ولكن كما ذكرت يا عزيزي فقد كان التمر في وقت من الأوقات هو صلب غذاء كثير من الأسر، وكان من يملك بستان من التخل يزوج من أجمل الفتيات لأنه يعد غنيا بمقاييس ذلك الوقت.
رحلة ماتعة مع النخيل، وبودي أن أعرف نوع النخلة في الصورة..
أعتقد أنها برحية..أليس كذلك؟
شكرا لك أبا يوسف، ولا حرمنا قلمك المبارك الباسق كالنخلة.
شدتني المقاربة بين النخلة والطبيعةالبشرية وتحديداانها تموت اذا تعرض قلبها لصدمة قوية..
اللهم قوي قلوبنا بالايمان،،، موضوع مفيد جداً،، جُزيت خيرا استاذي القدير عبدالوهاب
الأستاذ سعيد الدوسري
رجائي أن تكون تملكت بستان نخيل ففزت بالحسنيين.. وأن تكون رحلتك في هذه المساحة استدعاء لذكريات ممتعة في الوادي.
وبالنسبة للصورة فهي للبرحي الطيب في كل مراحله!
ممتن لظلال كلماتك الندية.
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
النخله شجره مباركه يكفي ان نستفيد من قوه تحملها .ونستفيد منها كغذاء . ويقول ابن القيم [ رحمه الله ] عن ثمرها بأنه من أكثر الثمار تغذية للبدن .. هو فاكهـة وغذاء ودواء وشـراب . وفي الحديث : (( بيت لا تمـر فيه جيـاع أهله )) . وفي رواية البخاري : (( من تصَّبح بسبع تمرات، لم يضـره ذلك اليوم سم ولا سحر )) . وذلك ببركة دعوة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لتمر المدينة .
ولقد قيل :
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً يُرمى بصخرٍ فيعطي أطيب الثمرِ. جزاك الله خيرا
تبدت لنا وسط الرُّصافة نخلةٌ
تناءت بأرضِ الغرب ((عن)) -وليس عند -بلد النخلِ
***
التحول من الكتابة الشعرية الى الكتابة الادبية (المقالة) فن لا يجيده الا القلة وأنت منهم وأخشى أن يحرمنا ابداعك النثري عن ابداعك الشعري كما حُرمت من ((البرحي)) من سنوات لأني لا أجده في أرضي شكرا لك
الأستاذ البواردي
تلك المقارنة مدعاة للتأمل العميق.
مرحبا بك دوما
أخي أبا عبدالإله
كلماتك أفضل تدليل يمكن تتويج الموضوع به.
أضف إليها منافع التمر الصحية للمرأة أثناء المخاض وللطفل بعد الولادة.
وجزاك الله أيضا كل الخير
الأستاذ حامد الإقبالي
صدقت الصواب “عن” وليس “عند” وقد تم تصويبها.
بإذن الله لن تحرم من الاثنين شعري والبرحي.. ولعل الثاني يكون شفيعا للأول فترضى مني بسيط الشعر بفاخر التمر.
لفتة موفقة منك حين ذكرت أن التمر “تشكّل ضمن صميم التشريع الإسلامي في أركانه الخمسة”
الغريب أن موروثنا التاريخي ببعديه الإسلامي والعربي في جزيرة العرب
والذي يمتد بامتداد جذور النخل عبر آلاف السنين
لا يتناسب مع طرق إعداده وتناوله على موائدنا
فهو غالبــــــــــــــــــا ما يقدم رطبا أو تمرا مع القهوة أو الزبد أو اللبن
هناك من يحشو التمر بالفستق أو ينثر عليه شيئا من السمسم
وهناك من يصنع منه الحيس أو الحنيني ومن أدخله في صناعة المعمول
لكن هل يتناسب ذلك مع مكانة النخلة وتاريخها المديد . .
ذات مرة تناولت آيسكريم التمر وهذا ما أثار تساؤلي السابق .
لو تتبعنا شجرة النخيل نجدها تنمو في المناطق الصحراوية والجافة والشحيحة في الماء والنبات!!
وتلك القلة من النباتات يؤثر على التنوع النباتي بتلك المنطقة معنى ذلك انها تملك كل المصادر الغذائية والمشكلة في نباتات مختلفة
والحقيقة أنا اربط ما كان للأنسان العربي هنا وما يملك الا القليل في الصحراء الا أن تلك القلة تنوع سواء نخلة تملك التنوع , وجمل يتم التنوع
وفقك الله
أبا طلال
تحول التمر من وجبة المائدة الرئيسية إلى ملحق ثانوي فيها ربما يشير إلى أن كثيراً من معطيات موروثنا التاريخي آخذة في التحول في نفس الاتجاه! مع تمنينا ألا يكون.
ورغم ذلك فقد حركت بأوصافك لطرق تناول التمر شهيتي خاصة مع الحنيني والمعمول.
تعد نحلة التمر
اظنك تقصد نخلة التمر
صدقا مقال رائع وصفك للنخيل وحبك له كحبنا لشجرة الزيتون في بلادنا
دمت مبدعا
أخي ماجد
شكرا لاهتمامك بالموضوع وحرصك على متابعة كل جديد في المدونة.
من الأشياء القليلة التي نالت نصيبا من الابتكار في هذا المجتمع التمر كحلوى تقدم للضيوف وبصور مختلفة واستغلت محلات الحلوى هذه الصناعة وربحت الكثير فالتمر كما قيل (حلوى الغني وزاد الفقير )
لك تفديري على مقالتك المفيدة
لولو
نعم أقصد نخلة لا نحلة وقد تم تصويب الكلمة.
شجرة الزيتون شجرة مباركة خصها المولى بالذكر في كتابه الحكيم.. ولعلك توردين لنا جانبا من ارتباطها بالحياة الأسرية في المجتمع الشامي.
مرحبا بك
الأستاذة سهام الشارخ
تماما كما ذكرت فالتمر هو “حلوى الغني وزاد الفقير”.. لذلك فلا نكاد نعرف أحداً لا يتناولها بشكل أو بآخر.
ومع مزاحمة محلات الحلوى التجارية لأدوار الأسرة غابت الكثير من الوجبات التقليدية التي يدخل التمر أساسا في إعدادها!
تقبلي خالص الشكر
* * * * * أرجو من الجميع المشاركة * * * * *
الأستاذة سهام الشارخ
لعل لديك إجابة على تساؤلي في تعليقي السابق.
وأنا بالفعل أبحث عن إجابة لم أجدها
فأين هو الابتكار الذي حظيت به التمور في هذا المجتمع كحلوى تقدم للضيوف وبصور مختلفة ؟
وهل ما لديك يتعدى الأصناف التي ذكرتها آنفا ؟
الأستاذ أبو طلال أذكر في سنوات طفولتنا أننا لم نكن نقبل على تناول التمر بسبب طريقة تصنيعه وتعبئته خلافا لما هو عليه الوضع حاليا ، وبرأيي أن هناك فعلا تفنن في أساليب تقديم التمر كحلوى ، التمر بالشكولاته …كيكات التمر …شراب التمر ..الأيسكريم الذي ذكرته ..المعمول بأنواعه …ومن يدخل محلات الحلويات يجد العجب ، وإلا ماسبب ارتفاع نسبة مرض السكر وزيادة الوزن ، إضافة إلى أن هناك عودة إلى الأطباق التقليديةللتمر فهي تقدم كثيرا أثناء اجتماعات السيدات في فصل الشتاء ، وإذا عدنا إلى الماضي البعيد فقد استفادالناس من النخيل في بناء المنازل وغيرها،كما توجد محاولات للاستفادة من النخيل في مجال تصنيع الوقود الحيوي صناعةالسكر ومن سنوات بعيدة صنعوا الزيوت ، ربما أنه يوجد تقصير في الاستفادة من التمر في مجالات صناعية كالأدويةمثلا وإن كنت لست متأكدة من ذلك ……قد نجد إجابة على سؤالك بالرجوع إلى الأبحاث والدراسات …….لك تحياتي
الأستاذة الكريمة سهام الشارخ
الآن بدأت أطمئن بأن التمر بدأ يأخذ نصيبه الأوفر بتعدد أنواع تقديمه
التمر بالشكولاته
كيكات التمر
شراب التمر
الأيسكريم
المعمول
الحيس
الحنيني
أو تقديمه مفردا مع بعض المشهيات
قرأت موضوعا حول تعدد أصناف التمور في بعض الولايات الأمريكية مثل كلفورنيا فهل ننتظر منهم تطوير تمورنا . . نحن أولى بالنخلة منهم .
الأستاذ الكريم أبوطلال
لقد أدت النخلة دورها في الماضي والحاضر ولم تقصر ، لماذا لا نكتفي بما قدمته وبما أبدعناه ونفكر في تطوير شيء آخر
” التطوير ” كلمة تعني لدي الكثير
وهي تجربة خضتها مع أخي عبدالوهاب زمنا، فغيرنا المسار وبقي الهدف واحد !
وقد تعلمت أن ” التطوير ” إنما هو أنشودة الإبداع . .
في أرض لا كلأ فيها ولا ماء، ولا أرض تقلنا ولا سماء!
وقد أجريت عليه تعريفا بأنه :
” نزعة تلقائية ؛ يبتلي بها المبدع، فتستنزف قواه ؛ ويسرقها من لا يخاف الله”
لكني (غالبا) أرى بأن ” التطوير ” خواطر وأفكار نحتسب عند الله أجرها . .
أثمن لك هذا الحوار الماتع .