((اخرج من بيتنا))
يناير 19th, 2009 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

طاب استمتاعي بنزهة برية احتضنتها ألفة أسرتي حتى بقيت إلى ساعات متأخرة من الليل فيها.. مع الأجواء الباردة والصقيع الجاف علمنا جيدا كيف تكون النار فاكهة الشتاء وحلواه!
يقطع الأطفال بفضولهم المتكرر رحلة النار أمام نواظرنا فتارة يقتبسون منها وتارة يقلّبون حطبها.. من بينهم صرفت ولدي ذا الأربع سنوات بأن دفعت إليه مصباحاً يدوياً كان بجيبي لينشغل به.. أخذه وأشعله سريعاً ثم سار به بعيداً عنا.. ما هي إلا بضع دقائق حتى عاد وأنفاسه لاهثة متقطّعة وهو يقول: ((بابا.. رأيت شيطاناً.. هناك.. هناك يوجد شيطان)).
لأول وهلة تصورت أن أحد أطفال الأسرة الأشقياء أراد مداعبته وممازحته.. مددت بصري جهة المكان الذي أتى منه فرأيته خلواً من أي مخلوق!
في طريق عودتنا أشار إلى الجهة اليمنى من الطريق قائلا: ((ذاك واحد..)). وبعد ترديد والدته لآيات وأدعية الاستعاذة.. أقسم أنه سبق أن رأى شيطاناً ذات ليلة في فناء منزلنا!
ما إن وطئت قدمي درج المدخل الداخلي للمنزل حتى توجهت مسرعاً أفتش ما علا الرفوف من أقوال مأثورة وآراء منثورة عن رؤية الشياطين.. وقبل أن أضع رأسي مثقلا على وسادة سريري جمعت في مذكرتي الصغيرة ما ظننته يستحق الحفظ، فكان منه:
*ورد في شأن الغول حديثان صحيحان أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا غول))، والثاني قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا تغولت الغيلان فنادوا بالآذان)). أي ادفعوا شرّها بذكر الله تعالى. وحاصل ما ذكره أهل الحديث في هذين الحديثين أنه ليس المراد بالحديث الأول نفي وجود الغول ( إناث الشياطين) وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلوّنها بالصور المختلفة واغتيالهم.
* سأل رجل أبا عبيدة- معمر بن المثنى عن قوله تعالى ((طلعها كأنه رؤوس الشياطين)) حول أن الوعد والإيعاد يقع بما قد عرف مثله وهذا لم يعرف؟! فأجابه بأن الله تعالى كّلم العرب على قدر كلامهم. وقد كان سؤال هذا الرجل لأبي عبيده هو السبب من تأليف كتابه الشهير ((المجاز)).
*قال جمهور من العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان (جنس من الشياطين) في الفلوات تتراءى للناس وتغول تغولاً (أي تتلون تلوناً) فتضلهم عن الطريق وتهلكهم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
*الشيطان على ألسنة العرب:
-جند إبليس: يقال ذلك للمجان والخُلعاء. قال أحد الشعراء:
((وكنت فتى في جند إبليس فارتقت
بي الحال حتى صار إبليس من جندي!))
-صديق إبليس: هو عبدالله بن هلال الذي يقال له الساحر. وكان في زمن الحجاج، وكان صاحب شعبذة ونِيرنجات (أخذ السحر وليس بسحر). يدّعي أن إبليس يتراءى له ويصادقه ويكاتبه ويطلعه على أسراره.
-خطوات الشيطان: هي طرقه التي يسلكها قال تعالى: ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان)).
-رُقى الشيطان: هي الشعر. قال جرير لما مدح عمر بن عبدالعزيز فلم يعطه:
((رأيت رُقى الشيطان لا تستفزه
وقد كان شيطاني من الشعر راقيا!))
-مكيال الشيطان: قال بعض الحكماء: ((العدل ميزان الباري، والجور مكيال الشيطان)).
-ظل الشيطان: المتكبر الضخم.
-لطيم الشيطان: هو من أصيب بلقوه أو شتر (اللقوة: داء في الوجه، الشتر: انقلاب في جفن العين).
-مخاط الشيطان: الخيوط التي تتراءى في الهواء عند شدة الحر.
-بريد الشيطان: الوزغ. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: ((الوزغ بريد الشيطان)).
-وكر الشيطان: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إياكم والأسواق فإن الشيطان قد باض فيها وفرّخ)).
-حبائل الشيطان: قال بعض السلف: احذروا النساء فإنهن حبائل الشيطان.
-خمر الشيطان: قال يحيى بن معاذ الرازي: ((الدنيا خمر الشيطان، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلا وهو في عسكر الموتى حاضراً نادماً)).
في صباح الغد اتصلت على زميل مختص بالمراحل الأولى من الطفولة وحدثته عما رآه ولدي.. هوّن الأمر عليّ عندما أخبرني أن ابنه في ذلك العمر وقف مرة في زاوية من زوايا البيت وهو يصيح: ((اخرج من بيتنا.. والله أضربك)). ولمّا سُئل عمن يُحدّث؟! قال مشيراً إلى ظله الممتد على طول الجدار: ((الشيطان.. الشيطان))!


تحية ممزوجة بعبق البنفسج لك سيدي عبد الوهاب
جميلة هذهـ الرحلة التي جعلتك تضم دفء أسرتك وجميلة أيضا براءة طفلك ذو الأظافر الناعمة والأجمل منها هو بحثك الشغوف عن مايخبرك طفلك به أغبطه على هذا الوالد المهتم ماخابت نظرتي وتصوراتي بأبوتك .
دمت ودام قلمك ..
حروفي تهفو إليك سافرة عن إعجابها بما سطر أعلاه، وجميل أن تدفعنا المواقف للبحث للإفادة والاستفادة،،،،
(( المصباح الذي في جيب الوالد ، ولهى به الابن هو من أظهر الشيطان؟!!!!) فمن يحتاج للرقيا؟
أخي عبد الوهاب تحية ودَ.. ما أكثر الشياطين في حياتنا ! ولكن مداركنا لا تتفرغ لرؤتها لازدحام أذهاننا بمشاغل الحياة , ليتنا نعود أطفالا لنتعرف إلى عالمنا المحيط بنا ولنسأل الآباء المهتمين بنا كما هي أبوَتك القريبة من أبنائك ( فليثق ابنك الصادق أن بجانبه أبا برعاه من كل سوء )
لولو
كثيرا ما تكشف لنا رحلاتنا الأسرية الخاصة عما يجول في خواطر أقرب الناس إلينا حيث نستجليها بعيداً عن أية مشتتات.
لا خيب الله لك ظنا
أستاذ خلود
شكر ا لإعجابك.. وكما ذكرتِ فالأسئلة العالقة تدعونا إلى البحث.. ولكننا قلما نفعل!
شكرا أيضا للمصباح الذي أنار لي هذه المساحة.
أخي أحمد
زحام الحياة أنسانا كيف كنا نفكر ونحن صغار..الشيء المؤكد أن صورة الشيطان اختلفت كثيرا عما ظنناها.. إلى درجة أنا اعتدنا وجوده!
حفظنا الله وإياكم
استاذ عبدالوهاب ..
ألا تظن أن يكون طفلك قد سمع بكلمة شيطان او حديثا عنه فالتصق في ذهنه هذا المصطلح .؟
عموما أتوقع لكل طفلة شيء يخافه ..
فهناك من يكرر كلما سمع شيئا مرئيبا : بابا حرامي !
تمنياتي لك بالتوفيق ..
أستاذنا عبدالله
قد تكون وجهة نظرك صحيحة سيما مع انتصابه طويلا لمتابعة الحكايات الكرتونية.
لا حرمنا الله تجاربك الأبوية
أستاذ عبد الوهاب..أحب أن أضيف إلى القائمة : المهادنين الساكتين عن الحق الذين يدعون الحياد ، هؤلاء بنظري من أسوء أنواع الشياطين ..أما حبائل الشيطان فهن بنظري بعض النساء الضعيفات -ولكن ماكرات – من اللواتي يتلذذن بلعب دور الضحية بينما أعماقهن مشتعلة بنار الحقد والغضب.
هنيئا لأبناء يعيشون بأمان في كنف أب عطوف مثلك
الأستاذة القديرة سهام
ورد في الأثر أن “الساكت عن الحق شيطان أخرس”. وتتأكد هذه الشيطنة مع القدرة الكاملة على رفع الظلم أو الحد منه.
وبالنسبة لحبائل الشيطان فالمقصود (كما ذكرتِ تماما) بعض النساء أو القلة القليلة منهن وفي صفات محددة مثل الاستدراج إلى الغواية وامتهان المكر.
حضورك محطات تشدنا للوقوف عندها.. فلك التقدير
قرأت موضوعك وأزددت معرفة بالشياطين !
أما العنوان “اخرج من بيتنا” فقد توقعت أن المعني به إسرائيل
و مقصودك في “بيتنا” أنه بيتنا العربي
وسبب هذا التوقع أنه بعد الاجتياح الأمريكي لبغداد في 2003 وظفت بعض الصحف عنوان رواية “أخرج منها ياملعون” في “المانشيت”
وهكذا فالشيء بالشيء يذكر
فتتوالد الصور الذهنية فنتأثر بها وتشكل ردود أفعالنا. .!
ومثل ذلك دخولنا إلى الأماكن المظلمة فهذا يولد لدينا استعدادا لكل المخاوف وهذا الاستعداد الجبان فينا يظهر لنا ما لا تراه العين المجرده ولذلك قالوا “إللي يخاف من العفريت يطلع له”
في مقالتك طربت لبراءة صغيرك وأبوتك الحانية
أهديك إشراقة أملي . .
فتقبل وافر تحيتي
ربما احيانا يتبادر الي عقولنا ماهو هذا الشئ الذي رأه الابن حفظه الله . ولابد من اعطاءه الاهميه لان الاطفال يرون مالا نراه . وخيالات الاطفال واسعه ربما تكون مفيده نحن الكبار.
كما توقع اخي ابوطلال من عنوان الموضوع .
سلمت يداك .
أخي عبدالوهاب
اسمح لي أن اقتبس النص التالي من قصيدة لفاروق جويدة وأن استعير عنوانك “أخرج من بيتنا” لمناسبته في وداع الشيطان “بوش”
كل الذى أخفيته يبدو عليكْ
فاخلع ثيابك وارتحلْ
اعتدتَ أن تمضى أمامَ الناسِ يوماً عارياً
فارحل وعارُكَ فى يديكْ
لا تنتظر طفلاً يتيماً بابتسامته البريئة
أنْ يقبِّلَ وجنتيكْ
لا تنتظر عصفورةً بيضاءَ تغفو فى ثيابكَ
ربما سكنتْ إليكْ
لا تنتظر أُمّاً تطاردها دموعُ الراحلينَ
لعلها تبكى عليكْ
لا تنتظر صفحاً جميلاً
فالدماءُ السودُ مازالت تلوث راحتيكْ
وعلى يديكَ دماءُ شعبٍ آمنٍ
مهما توارتْ لن يفارق مقلتيكْ
العزيز أبا طلال
عادة ما ينسحب اسم الجنس على من يحمل كل صفاته سواء كان فردا أو جماعة.. وهو مما تجيد توظيفه العناوين الصحفية. ولعل ما ذهبتَ إليه من رأي دلالة بحثك الدؤوب عن المعاني الخفيّة في كل صفحة تطالعها.
وبالنسبة للعنوان فقد كرهتُ أن يحتوي كلمة “الشيطان” لانحطاط قدره من أن يعلو الحكاية.
طابت أيامك
أخي أبا عبدالإله
رأيك يوافق ما يقوله المعنيون بتطوير الذات حيث يرون أن الطفل حين يُغمض عيناه يرى ما لا يراه البالغون!
وللحقيقة فنحن لا نمنح أطفالنا وقتاً كافياً ليقولوا كل ما يودون إخبارنا به.
دمت بخير
الأخ أبا عبدالرحمن
عنوان الحكاية جاء على لسان طفل الزميل.. ولكون الأطفال يترجمون ما في أنفسهم بعفوية ومباشرة فقد أصبحوا أكثر شجاعة منا في مواقف عدة!
تحية لفاروق جويدة على هذا النص الموفق ولرائع ذائقتك على اختياره.
العزيز أبا يوسف
هناك -بحق- نوع نادر من الكتاب
نقرأ لهم بشغف
ونتذوق حروفهم بنهم
وننتظر جديدهم بلهف
أنت منهم
وتعرفني بأني لا أجامل فأنا أعرف – يقينا- كيف تكتبون
وما الذي تعنيه الكلمة بالنسبة لكم
ولذلك أبحث (باستمتاع) عن المعاني الخفية بين سطور ابداعتكم
ودمت عزيزا .
أستاذ عبدالوهاب
أتذكر حين كنت أنام مع الرفاق في البر على طريق سفر أو في نزهة خلوية أننا لم نكن نخاف من الجن، بل كنا نخاف من سكان المنطقة التي نبيت فيها ونحاول الابتعاد عنهم قدر الإمكان مؤثرين اماكن الجن على أماكن الإنس..
ولكن غالبا ما يدفع الفضول سكان البادية إلى رؤية من يبيتون في مناطقهم والحديث معهم فيكونون ضيوفا ثقلاء احيانا!!
لك كل الشكر على ما أتحفتنا به عن السعالي والغيلان، وأحمد الله أنني قرأت الموضوع صباحا وليس ليلا.
أبا طلال
كيف لي أن أعلق على سطورك الدافئة؟!
كل ما يمكنني قوله: جعلني الله عند حسن ظنك وأعانني على تقديم ما يرضي شغفك ويشبع نهمك.
الأستاذ سعيد
ليس بعيدا مما ذكرته قول الشاعر:
عوى الذئبُ فاستأنستُ لمّا سمعتُهُ
وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أَطيرُ
وكما تعلم فإن من الإنسِ شياطين أيضاً قد يكدّرون نقاء أيامك ويقتحمون خصوصياتك حتى تؤثر الخلوة والانعزال على مجالستهم!
حفظك المولى في حلّك وترحالك
جميلٌ أن يكون للآباء وقفة تأمل لسلوك أبنائهم كوقفة المربي الباحث عن المعرفة ،خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة ،فربما اختبأ وراء سلوك الطفل معان ٍ تستحق ما نستقطعه من الوقت بحثاً واستزادة ً في المعرفة حول هذا السلوك ، وجميل ٌ أيضاً أن يكون للإنسان محطات تأمل لما يعد مألوفا ً لدى عامة الناس ، والأجمل أن نشارك بخبراتنا لتكون إضاءة ينتشر ضوؤها لتضيئ حياة الآخرين .
أستاذ عبدالوهاب المكينزي ،،
شكر الله لك وزادك الله من نوره وعم بفكرك الجميع .
الصديق الفاضل الأستاذ عبد الوهاب
كتابتك ممتعة، اجتمعت بها ولها متعة الأسلوب، ومتعة المعرفة. أنا استفدت من جهدك في تجميع المعلومات عن الشياطين وتصنيفها على نحو طيب.
واعتقادي أن ما كتبته هو قصة قصيرة، بالمعنى الفني، ابتداء من العنوان، إلى المفاجأة التي ألقاها الصغير، إلى استجابة الأب الذي هرع ليجمع الموروث عن الشياطين، ثم النهاية التي جاءت من طفل آخر كان يطارد ظله حاسبا أنه شيطانه. رتوش قليلة يمكن أن تعالج هذا النص فيتحول إلى قصة قصيرة جميلة.
وأضيف، لقد استمتعت بالطواف بين أزاهير مدونتك الشيك.
الأستاذة مناهل
كانت ولا زالت الملاحظة من أهم وأبسط أساليب تقصي الظواهر.. والحقيقة أن تزاحم جداول أعمالنا بالمهام العاجلة يصرفنا عن منحها لأقرب الظواهر لنا زمانا ومكانا!
وكما ذكرتِ فقد يكون تأمل سلوكيات الأطفال فرصة حقيقية للاستزادة بالمعرفة، كما قد تكون حواراتنا حول هذه السلوكيات مجالا واسعا لنقاش إيجابي السمات والنتائج.
مرحبا بحضورك
الأستاذ العزيز رجب السيد
رأيك وأنت الباحث المتخصص في كتابتي مدعاة للزهو ومحفز للمواصلة.. فحياك الله في مدونتي الصغيرة وشكرا شكرا على هذا الإطراء.
نحن حبائل الشيطان !!
معلومة لم احبها
شكرا لك
sea lover
كذلك أنا.. لكنها وردت هنا على سبيل النقل فقط.
تحياتي