سفعة شمس
فبراير 1st, 2008 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

تجمعنا حياتنا الوظيفية بقدرات بشرية راقية تسعى لتخليد بصماتها على كل ما يقع تحت أيديها من مهام وأعمال بلا انتظار مردود أكثر من سماعها كلمات الشكر الجزيل والذكر الجميل!
أبو طلال أحد أصدقائي الذين عملت إلى جوارهم مدة كافية من الزمن تؤهلني لأن أضعه في قائمة المولعين بالتصاميم الفنية إلى الحد الذي يجعله يتسمّر أمام شاشة جهازه لساعات طويلة لأجل تنقية لون أو إضاءة صورة او تظليل جسم!
بلغت بأبي طلال الرغبة في الوصول إلى أعلى مستويات الاتقان أن دفع ما يقارب راتب شهر لشراء كمبيوتر ((ماكنتوش)) على أساس أن إمكاناته في برامج ((الفوتوشوب) و(((الستريتور)) و ((والتصوير الفوتوغرافي)) الخاصة بالرسوم والتصاميم أجود من المتوافر في مكاتب عمله، وذلك بعد أن كلّفته إدارته بتصميم نموذج ملف ورقي لاستخدامه في معاملاتها ومراسلاتها!
من القصص التي تروى كثيرا عن وزير الخارجية الأمريكي السابق ((هنري كيسنجر)) أنه كلف أحد معاونيه المقربين بكتابة تقرير على درجة من الأهمية.. وبعد أن أتمّ المعاون كتابة التقرير وسلمه لـ((كيسنجر)) أعاده إليه مرفقا به ملاحظة يتساءل فيها: ((أهذا أفضل ما تستطيع عمله؟!)) كتب المعاون التقرير من جديد وزاده تنميقا وتزويقا ليسلمه لـ((كيسنجر))، إلا أن التقرير رجع للمعاون مرة ثانية وعليه التساؤل ((أهذا أفضل ما تستطيع عمله؟!)) راجع المعاون تقريره وحسّن وزين فيه منتهى طاقته، ثم دفعه إلى ((كيسنجر)) ليتلقى التساؤل المقتضب نفسه! عند هذا الحد لم يتمالك المعاون نفسه، فأخذ الورقة المرفقة بالتقرير وواجه ((كيسنجر)) محدثا إياه بحدة بالغة: ((… نعم إنه أفضل ما أستطيع)) حينها أجابه ((كيسنجر)) بهدوء: ((حسنا.. اظنني سأقرؤه هذه المرة))
بالطبع لم يوفق أبو طلال بمدير يمتلك دهاء ((كيسنجر)) واحترافه في تطبيق قوانين اللعبة الميكافيلية ليتحاشى الدخول في تفاصيل الصنعة وأسرارها،فالحرص الذي أبداه أبو طلال لتوضيح جزئيات تصميم الملف فتح لمديره باب الاعتراض على رموزه وأحجام صوره ودرجات لونه.. ومع الإعادة والتكرار لم يخرج أبو طلال من مديره بأكثر من وصف الملف بأنه باهت مغبر ومصاب بسفعة شمس
تعذّر نجاح أبي طلال في تمرير تصميمه ليس بسبب فشله في الوصول إلى المعايير الفنية المطلوبة أو ضعف أدواته ونقص مقدرته الفنية، لأنه قد تمكن لاحقا من افتتاح وكالة دعاية وإعلان خاصة به وأصبح ((جرافك)) على درجة من المهارة ما يسر له الدخول ضمن مناقصات تجارية، إنما هو في توهّم المحيطين به أن شخصيته التواقة لابتداع الفريد تنطوي على نوايا نفعية لتوطيد العلاقات وتوسيع الصلاحيات.
يحتاج كثير ممن يديرون فرق العمل أو يشكلونها أن يدركوا شيئا من طبائع المبدعين وأسرارهم، مثل: حبهم للتميز، وحماسهم لأفكارهم،وبغضهم للسلطة والتسلط، واستغراقهم الطويل في ممارسة ما يستهويهم بسبب إفراز عقولهم لمادة ((الأندروفينات)) التي قد تجعلهم لا يشعرون بلسعة برد أو سفعة شمس!


سلمت يمينك .. المقال يقول ويقول الكثير الكثير عن واقع الموظفين المبدعين
تحياتي
سلمك الله أستاذ أديب…
واقع المبدعين في وظائفهم بحاجة إلى مراجعة تلو مراجعة .. حتى لا تجف منابع قدراتهم الفطرية
لقد شعرت بالغبطة حين ذكرتني في مقالتك “سفعة شمس”
فكنت رائعا أخي عبدالوهاب وما زلت كذلك
وعندما يشعر إنسان نبيل مثلك بمعاناة أخيه فهذا رائع
وعندما يكتب عنه فهذا نادر
أشكرك بصدق على إنسانيتك الرائعة.
* * * * *
أخي أبا طلال
صورتك وأنت قادم صباحاً تحمل نتاج جهدك وسهرك لا تزال ماثلة حتى اليوم أمامي .. صورة ناطقة برغبات صادقة للعطاء تلو العطاء.. صورة نادرة لا يجود بها إلا المبدعون أمثالك.