بعد يوم واحد
مايو 25th, 2009 بواسطة عبدالوهاب المكينزي
في معرض حديثي إلى الأستاذ ((صالح)) الخبير القانوني في إدارتنا حول صعوبة ضبط تجاوزات الزملاء النظامية بالحسم والإنذار قاطعني طالباً مني الشفاعة في إصلاح ذات البين.. إصلاح ما فسد بينه وبين صديقه ((سالم)) دون سبب يعلمه.

فاجأني طلبه الاعتراضي حيث لم يمض على انتقاله إلينا أكثر من ثلاثة أشهر.. قدمت اعتذاري إليه عن تلك المهمة المعقدة العسيرة. فإصلاح ذات البين في خلاف معروف مشهود أيسر وأهون من البحث عن أسبابه.. ثم ماذا لو ردني ((سالم)) بعبارات خشنة موجعة؟ بل كيف أتعامل مع المسألة إن كان سبب الخلاف أمراً لن تسرني معرفته عن هذا أو ذاك؟
بدا على محياه إلحاح أعقبه رجاء.. ردد على مسمعي أكثر من مرة ((أستاذ عبدالله.. هذا باب خير واسع فلا تحرم نفسك منه)).
*****
- صباح الخير.
- صباح النور أستاذ ((عبدالله)).
- أستاذ ((سالم))، ما أخبار الترقية التي تستحقها؟.. بشرني هل نهنئك؟
- أوه.. طلب الترقية لا زال بين أيدي أصحاب السعادة.. واستطلاعاتي تشير أني لن أحصل عليها قبل ستة أشهر من اليوم.
- لا عليك.. ستحصل عليها قريباً بإذن الله.. اسمح أن أكون أول المباركين.
- الله يبارك فيك.
- من المؤكد أن مباركتي لم تسبق مباركة الأستاذ ((صالح)).
- !!
- كنت عنده قبل قليل وهو من أخبرني بأمر ترقيتك.. مشغول هو بك دائماً!
- ليته ينشغل بنفسه.. كفاني ما أصابني بسببه.
- سلامتك.. ما الذي أصابك؟!
- دع هذا عنك.
- لا أفشي سراًّ حين أخبرك أن حضوري إليك اليوم كان لهذا الشأن.. وللمباركة أيضاً.
- طيب!
- ((صالح)) في غاية الاستغراب والحزن من تصددك عنه.. يقول إنك جفوته لدرجة استثقالك رفع يدك بالسلام عليه حين تمرّ حياله.
- هذه حرية شخصية.. أسلّم على من أريد وأصاحب من أختار.
- لكنه جارك في المكتب ورفيق موهبتك الفنية.. ألم تدعواني إلى المعرض الذي جمعكما مؤخراً؟ أتذكركما جيداً وأنتما تمسكان بمقص واحد لافتتاح المعرض والابتسام يشرق في وجيهكما.
- إن كان الجار والرفيق فلماذا يستكثر عليّ النعمة؟! لماذا يحسدني؟!
- حسدك؟! كيف؟! وأي نعمة استكثرها عليك؟!
- رغم أني قررت أن أخفي هذا الأمر نهائياً حفاظاً على سمعته إلا أني مضطر إلى إخبارك بشرط ألا تحدث أحداً به.
- ثق بي.. تفضل، أسمعك أنا.
- يا سيدي قبل شهر تقريباً ترافقنا أنا و((صالح)) إلى أحد معارض السيارات.. كنت بصدد شراء سيارة جديدة من شركة ((تويوتا)). وقع اختياري بعد أكثر من مشاورة على ((لاند كروزر)) المطوّرة.. فخمة في شكلها الخارجي وقوية في أدائها.. مناسبة للمدينة والبرّ.
- ما شاء الله.
- ليته قالها.
- !!
- لم تمض ساعات على هذه الرفقة المشؤومة حتى وردتني رسالة على هاتفي الجوال تفيدني أن سوق الأسهم هوى حتى القاع. لقد كانت أكثر الأسهم انخفاضاً هي أسهم الشركات التي وضعت فيها ما جمعته طيلة سنوات الوظيفة الطويلة.
- وما دخل ((صالح)) بالرسالة التي وردتك وبما يحصل في سوق الأسهم؟!
- بالطبع له دخل.. أنا كنت أنوي توفير نصف مبلغ السيارة الجديدة من قيمة بيع بعض أسهمي.
- المساهمون كلهم تضرروا في ذلك الحين.. الانخفاض حاد في سوق الأسهم والمؤشرات الحمراء لم تستثن شركة واحدة. أنا مثلا خسارتي في سوق الأسهم سوف تلزمني أن أتنازل للبنك عن ربع راتبي لمدة سنتين قادمتين.
- طيب.. ما تقول في أن سيارتي التي كنت أنوي بيعها لتوفير جزء من مبلغ السيارة الجديدة تعرضت لحادث عنيف أصبحت بعده لا تساوي شيئاً؟ بل ما رأيك أن اسم صاحب السيارة الذي تسبب في الحادث هو ((صالح))؟!
- حمداً لله على سلامتك.. يا رجل انظر للمسألة من ناحية إيجابية.. الضرر اقتصر على السيارة.. ربما صرف ربك عنك ضرراً أكبر وأشد.
- الحمد لله على أية حال.
- ((صالح)) لا ذنب له إن كنت متهوراً في قيادتك أو إن كان الذي تسبب في إضرارك يحمل نفس اسمه.
- لنقبل ما تقوله جدلاً.
- ليس أنا من يقول.. هذا منطق الإيمان بالقضاء والقدر.
- يا ((عبدالله)) افهمني.. حين تجاوزت كل هذا وأصررت على شراء الـ((لاند كروزر)) وفرت المبلغ باستلافي من اثنين من أقاربي الميسورين.. بعد يوم واحد من عيادة ((صالح)) لي على أثر الحادث.. يوم واحد فقط حصل ما لم يكن في الحسبان.. لقد ارتفع ثمن الـ((لاند كروزر)) 20% من قيمتها الأصلية!
- إلى هنا ويكفى.. اسمح لي أن أقول لك إنك متشائم من أعلى رأسك حتى أخمص قدميك.
- كما تحب.. أنت من تدخّل فيما لا يعنيه.
- بعد إذنك.
*****
كان إخبار ((صالح)) بما يظنه ((سالم)) فيه أصعب من ذاك الجدل البيزنطي المضني.. لذا أصبحت من حيث لا أعلم أتحاشى المرور على باب مكتب ((صالح)) أو النظر إلى عينيه خشية أن يحاصرني بسؤاله عما جرى بشأن المصالحة!
وبينما أنا أدفع بتثاقل باب مبنى الإدارة الزجاجي صباح يوم الأربعاء رَبتَ ((صالح)) على كتفي ومدّ يده مصافحاً وهو يقول:
- حللني عما أخطأت فيه بحقك.
- أبداً.. ما جاء منك إلا خير.. ما الأمر؟!
- من بداية الأسبوع القادم سأرجع إلى عملي السابق.. موظف اتصالات في شؤون الموظفين بمقر الوزارة.
- والله خسارة.. أنت مثال للقدرة على الإنتاج والالتزام في العمل.
- يبدو أني خذلتهم هنا.. ولعل هنالك تقصيراً مني لا أعلمه.
- حقيقة نحن كلنا خذلناك ولم نأخذ بيدك إلى خفايا ما يجري في الإدارة.. وبشكل أخص أنا من خذلك في إعادة العلاقة صافية بينك و((سالم)).
- الله يهديه.
- صدقني هو طيب القلب لكنه يعيش أزمة سوء ظن بمن حوله.. يحتاج مساندة منك.
- الآن أنا من يحتاج المساندة.. حقيقة لا أعلم ما جرى وغيّره على هذا النحو.. لكني أحمل جميلاً له فهو أبلغ من احتفى باختياري خبيراً قانونياً لديكم وأول من واساني حين تعرض منزلي للحريق بعد يوم واحد من زيارته لي.. كم تأسفت أن فجعته بخبر الحريق.
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
- سلامي الحار لأخي ((سالم)) ولجميع الزملاء الكرام.. مع السلامة.


حوارية تتميز بالبساطة الشديدة. تدخل بنا الى دقائق علاقات ديوان العمل، وتمس تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية من بعيد وبطريقة غير مباشرة تنقل لنا ما أحدثته في علاقات البشر، حيث تهتز الأمور أمام عيني انسان ويتشكك في صدق علاقة صديقه به، في حالة من التخبط، والسبب ما ألم به من خسارة مادية، من توابع الأزمة العالمية. وبالطبع، لا يخفى علينا صعوبة رسم المواقف والشخصيات اعتماداً على الحوار فقط، وهو ما أجاده الصديق العزيز الأديب عبد الوهاب المكينزي، ويشي بقدرات كامنة للكتابة المسرحية.
عزيزي الأستاذ / عبد الوهاب الكينزي
تحياتي
كعادتك ، أمتعتني بهذه المحاورة القصصية،التي تتلمس الواقع بشكل كبير،لقد ممرت بتجربة مماثلة،وأن اختلفت الظروف والتداعيات..عزيزي إن كتاباتك بقدر ما أشعر بأنها رائعة وممتعة، فهي أيضـًـا قريبة إلى قلبي بشكل كبير .
حسني عبدالحافظ .. سَجلتَ هنا ما أردت تماما كتابته
شكرا استاذي عبدالوهاب
سوء الظن ووسواس الحسد
كم انتهت بها ولأجلها صداقات دامت لسنوات عديدة
وكم حرمت مبدعا من صديق معين له في درب النجاح
صحيح إن الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المختلفة – التي تضمنتها القصة – تؤثر فينا وتشكل منا شخصيات وديعة أحيانا أو وحوشا كاسرة أحيانا أخرى ( إذا تركنا لسوء الظن أرضية نبني عليها أفكارنا) .
هناك لمسة أدبية أعجبتني وهي خروجك عن القالب القصصي التقليدي في ذكر عنصري المكان والزمان بقولك : “في إدارتنا” و “صباح الخير”
طاب مساؤك أبا يوسف
وأنا اقرأ تذكرت نفسي مع شخص أحترمه
كيف أسأت الظن لأنه تأخر عني بشي أحتاجه
فعلا سوء الظن شيء سيء ويقطع حبال الوصل مع الآخرين
بس مو كبيرة علينا كلمة آسف أكيد إني بقولها لما أقابل هالشخص
طبعا مثل ما تعودنا حبكة أدبية جميلة أستاذنا عبد الوهاب
يعطيك العافية .. ودمت مبدعا
الصديق رجب السيد
براعتك في التحليل أظهرت لي الخيوط الدقيقة التي تشكلت منها القصة والأسباب الخفية لاهتزاز علاقة الصديقين!
قليلون من القرّاء وهبهم الله قدرة تتبع السطور والعبارات إلى المعاني البعيدة المرتبطة بالنواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية.. أجزم أنك أحد هؤلاء القرّاء القليلين.
محظوظ أنا بمتابعتك ونقدك.
الأستاذ حسني عبدالحافظ
بعض التجارب المرويّة تكشف مدى تشابهنا في الأحاسيس والمبادئ.. لذلك نرى أنفسنا في شخوصها ونتلمس ملامحنا بين أحداثها!
أسعد الله قلبك
sea lover
على الرحب دوماً.
أخي أبا طلال
سوء الظن ينمو متسلقاً حيث النمائم والمكائد.. والنفوس الكبيرة تأبى أن يعلو عليها.
الحقيقة المرّة أن من يتوهم إصابته بحسد الأصدقاء المقرّبين مشغول كثيراً بهاجس المقارنة السلبية بين حاله وأحوالهم إلى درجة يرى أن ارتفاعه لا يتحقق إلا بانخفاضهم.. ولله في خلقه شؤون!!
طيّب الله أيامك
قصة جميلة ومعبرة استاذي
ثمة مشكلات تحصل في داخل بيئة العمل، والمشكلة ان أحدنا يقضي في هذه البيئة الملأى بالصراعات ساعات طويلة.
لولو
ما من أحد منا خال من سوء الظن تماماً غير أن التبرأ منه بالاعتذار سبيل الأوفياء.
عافاك المولى
الأستاذ سعيد
في بيئة العمل نماذج إنسانية مغايرة.. نماذج تستحق رسمها في متون الحكايات وتخليدها في أعماق الذكريات!
دم سعيدا
حوار بسيط وذكي ، كررت قراءته بمتعة …ينم عن قدرة في التأليف القصصي وبراعة في توجيه الرسائل والإشارات حول العطب في تفكيرنا وتصوراتناوسلوكياتنا..الهوس بالمادة ….القرارات غير الرشيدة وما أكثرها على جميع المستويات (ترقية موظف في الاتصالات إلى خبير قانوني مشغول بمشكلته الخاصة عن إيجاد حلول لتجاوزات الموظفين )تهاني أستاذ عبد الوهاب على كتاباتك .
التميز القصصي والتنوع بالحوارات قرأت هذه القصه وتذكرت قصصا حدثت لي مع اناس سبحان الله الناس اجناس كل له طبعه وكل على حسب تربيته . صالح وسالم نموذج من العديد من النماذج التي نعايشها . فلماذا لا تكون الصراحه بينهما لماذا دائما سوء الظن هل له علاقه بالعادات والتقاليد . ربما الظروف الاقتصاديه الاجتماعيه ادت الى وجود هذه الظنون . وربما عدم صدق العلاقه بين صالح وسالم ومعرفه احدهما بالاخر كذلك فقط في مجال العمل .
قصه شيقه تحاكي مانعيشه فى مجتمعاتنا.
تقبل مروري ونحن بانتظار ابدعاتك
الأستاذة الكريمة سهام
“الهوس المادي” ظاهرة طاغية لها إفرازات قد يكون أقلها سوء الظن وإفساد العلاقات الإنسانية.
وإذا ما كان تضمين القصة رسائل وإشارات يقتضي مهارة كتابية رفيعة، فإن الوصول إلى هذه الرسائل والإشارت وإدراك أبعادها وظلالها يدل على خبرات متراكمة في التعامل مع النص الإبداعي والكلمة المقروءة بشكل عام.
شكر أستاذتنا على هذه التهاني الصادقات.
أخي العزيز أبا عبدالإله
كلما تكررت النماذج السلبية فيمن نعايش أضحت أحق بالإيراد والمعالجة.. وأوفقك الرأي تماما بأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية أظهرت هذه النماذج على السطح بشكل سافر لا يمكن مواراته.
حكاية صالح وسالم مشهد من مواقف متنوعة في حياتنا اليومية.. مواقف نضطر أن نكون طرفا فيها حين يصعب علينا أن نبقى على الحياد!
قصة ممتعة ذات حوارية متميزة ..
ناطقة بالعديد من المعاني ..نماذج نراها في واقعنا ..وأحداث تتمثل أمام نواظرنا
لك الشكر الجزيل
شكرا استاذي عبدالوهاب
الأنسام
الشكر لك على مروركم واهتمامك بما طرحته القصة على بساطتها.. ولعل التوفيق يحالفني لاحقا في استظهار أنماط إنسانية تتكرر في مجتمعنا بشكل لافت.
الابن أحمد
على الرحب أبدا.