((لا تحدث أحداً))
فبراير 1st, 2008 بواسطة عبدالوهاب المكينزي
من منا ينسى إطلالة المؤرخ والأديب محمد حسين زيدان – رحمه الله – عبر الشاشة الفضية وهو يروي علينا روائع السير والحكايات بصوت تستوقفه صادق العبرات مع كل خصلة إنسانية نبيلة ومغزى إخلاقي بليغ.
في احدى مقالات كتابه ((ثمرات قلم)) شفّت مشاعره – رحمه الله – عن حوار دار بينه وبين شاب من معارفه جاهر مرارا في ذم من أحسن إليه وتعهده بكريم الرعاية وطيب التربية بعدما مات والده وخسر ماله وقست الأيام عليه.. من هذا الحوار:
((ـ قلت له: أهذا جزاء الإحسان؟ يحسن إليك وتسبه؟!
ـ قال: ولماذا استطاع أن يحسن إليّ؟ فان في تفوقه إعلان لانخفاضي عنه.. يده العليا ويدي السفلى.. إن احسانه إهانة لي فأنا أرد هذه الإهانة.. أرفض هذا الشكر..
قلت: إنها طبيعة منحرفة!
قال: لتكن كذلك.. فلا تسأني واسأل الأسباب التي جرفتني إلى هذا الانحراف)).
على نحو ليس ببعيد عن الطبيعة المنحرفة لهذا الشاب تعامل بعض من يعيش بيننا مع المحسنين اليهم فأصبحوا يعاقبونهم (بوعي او دون وعي) على تعاسة الماضي وظروفه التي ألجأتهم إلى طلب المعونة أو قبولها!
النفوس المسكونة بهاجس القفز فوق الظهور والأكتاف وبطموح التعالي على الأقران والأنداد سوف تستنكف (بعد أبسط نجاح تصل إليه) من الاعتراف بالأيدي الكريمة التي رفعتها من سقوط، والعيون الساهرة التي حرستها من خوف، والأحضان الآمنة التي رعتها من ضعف – خشية مشاركتها (ولو قيد أنملة) في مساحة التفوق.
أحد أساتذني الذين تورطوا كثيرا بالتعامل مع مثل هذه النفوس العليلة يرى أن المثل الشائع: ((اتق شر من أحسنت إليه)) ناقص وغير دقيق، لأنه لم يصرح بالطريقة المثلى لاتقاء الشر، لذلك فهو يفضل تحوير المثل ليصبح ((اتق شر من أحسنت إليه بإيقاف الإحسان إليه)).
أعتقد أن تطبيق مضمون المثل بعد تحوير وابتكار استاذي (المتورط) لن يجدي نفعا على أية حال، فقد ينقضي زمن الإحسان وتستمر الإساءة إلى ما شاء الله.
أول ما يظهر أثر نكران الفضل وجحوده جليا على من تغرم العون وتكبد الإصلاح، حيث ستخفض لديه روح المبادرة وتنقبض أريحية المعايشة حين لا يجد من يجيبه (سلوكا) بالإقرار على السؤال المنطقي ((هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!)) الذي خلده الذكر الحكيم، ثم يستشري هذا الأثر طولا وعرضا في شرائح المجتمع، وفي أصالة ثقافتها حتى يصبح صفاء الابتسامة سذاجة، وطيب الكلمة استثناء، ومبادأة التحية ضعفا!
في هذا المعنى تتوارد في صفحات التراث قصة لأعرابي انقطعت به السبل في عرض الصحراء بعدما فرت راحلته على حين غفلة منه، وفقد بفرارها ما تحمله عليها من ماء وطعام.. وبعد ساعات من مسيره بلا هدى ولا دليل وبلوغه منتهى اليأس من النجاة – ساق الله إليه رجلا مسافرا على صهوة جواد، فأشفق عليه لما رأى ما وصلت إليه حاله فتبسط له إلى أن أنزله منزلة الرفيق وأشركه في المطعم والمشرب، بل إنه تناوب معه على ركوب الجواد صيانة لقدميه من جهد المشي وحر الرمال، لكن الأعرابي انتهز كرم الرجل ونخوته فغمز جانبي الجواد وهو يمتطيه ليولي به هاربا من صاحبه الذي لم تجده نفعا نداءات الاستغاثة ورجاءات الاستجداء.
وحين تيقن الرجل من تنكر الأعرابي للجميل وعزيمته على السرقة صاح به قائلا: ((يا أخا العرب، لا تحدث أحدا بما فعلته معي)) فالتفت السارق مندهشا من هذا الطلب وسأل الرجل والغبار يكاد يواريه: ((لماذا لا أحدث احدا بما فعلته؟!)) فأجابه: ((حتى لا يضيع المعروف بين الناس)).


هذه قصص مضت فهل لنا ان نأخذ العبر منها ماهو موقعنا هنا انكون على شاكله الرجل فنؤكل ام على شاكله الاعرابي فيغيب الخير بين الناس .. ودمت على خير ولا اقول من يفعل خيرا يجده ولكن لابد من الحذر في التعامل والى الله المشتكي والسلام عليكم احوك ابو عبدالاله الراشد
أخي أبا عبدالإله
كنت أتساءل وانا أنقل هذه القصة: كيف أتيح لنا معرفة الحوار فيها؟ هل أخبر الأعرابي عنه أم الرجل المحسن؟ برأيي أن الاحتمال الثاني أقوى ما يعني أن الله نجّى الرجل وبقيت المذمة ملازمة للأعرابي طوال حياته.
سعدت بمرورك ودعوتك لفعل الخير
مات السارق والمسروق وبقيت القصة
وللأسف تتكرر القصة بأشكال مختلفة..
ولا تحدث أحداً .