في الصف الثاني
أغسطس 25th, 2009 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

يروق لأبي خالد شراء احتياجات الأسرة الغذائية من المتجر المجاور لمنزله بعد صلاة العصر. ففي هذا الوقت تكون ممراته شبه خالية من المتسوقين المتجولين وزواياه عامرة بالعروض الترويجية الشائقة.
في أحد أعصار وجوده في هذا المتجر الفاره وبينما كان يجري اتصاله بزوجته لمراجعة قائمة طلباتها قابل جاره أبا هشام يدفع عربة غاصة بالمشتريات وقد بدا على وجهه الإجهاد والمشقة!
بعد السلام وترديد التحايا استفهم منه أبو هشام إن كان سيشهد حفل مدرسة ابنه خالد الذي سيقام غداً بين المغرب والعشاء.. أجابه بالإيجاب.. قال له: إن حضور الحفل أقلّ عرفان ومساندة لمنسوبي المدرسة.. وراح يعددّ عليه شيئاً من جهودهم الطيبة.. آخرها دورة سباحة متقدمة جرت تحت إشراف مدرب موثوق.
من إيماءات رأس أبي هشام المتكررة علم تأييده لما ذكر، وقوي اعتقاده بتجاورهما في الحفل أيضاً سيما وأن هشام كان قد أشاع بين الطلاب أن أباه سيتوشح في الحفل عباءةً حريريةً مطرزةً بخيوط ذهبية.. عباءة نفيسة لا تقل قيمتها عن قيمة سيارة المرشد الطلابي الجديدة!
قال له أبو هشام وهو ينفض يديه من كيسي دقيق صغيرين وضعهما في عربة المتجر: ((إن ابن خالتي مدير المدرسة رشّحني لتقديم كلمة أولياء أمور الطلاب وأنا لا أجد وقتاً لإعدادها، فموعد الحفل يوافق اللقاء الأسري الشهري الذي التزمت باستضافته)).
حار في نوع المبادرة الأنسب في مثل هذه الحال.. اقترح عليه أن يعتذر عن كلمة أولياء الأمور أو عن استضافة اللقاء الأسري.. تجاهل أبو هشام الاقتراح واستأذنه لإكمال التسوّق.
*****
طرقات متوالية على باب حجرة النوم بددت أطياف النعاس من حوله.. صوت خالد الطفولي الحاد ملأ مسمعه مردداً: ((جارنا أبو هشام يطلبك..)). نظر إلى الساعة فإذا هي تجاوزت الحادية عشرة مساءً!
علم أن ما جاء بأبي هشام في هذا الوقت المتأخر هو شكره على اقتراحه.. فقد اعتذر أبو هشام من أبناء الأسرة بتأجيل موعد اللقاء إلى ما بعد صلاة العشاء وعن كلمة أولياء الأمور بترشيح بديل مناسب.. أكد له بالأيمان المغلظة أنه البديل الأجدر!
لم ينتظر أبو هشام سماع رأيه في إحالة الترشيح إليه.. فما إن وجم باحثاً عن عبارة شكر واعتذار مناسبة حتى ودّعه متمنياً له أحلاماً سعيدة.
أغرته كلمة أولياء الأمور بانتزاع هواجس التعليم التي تلبسته منذ مراحل الدراسة الجامعية.. فمن منظر أبي هشام وهو يمرجح يديه اغتباطاً بخلاصه منها علقت برأسه معان جريئة عارية من الألفاظ والعبارات!
لم يكن يعلم قبل الليلة أن كلمات المناسبات من مسببات الأرق.. فمع كل إغماضة كان يتمثل له حشد الحضور يترقب ما سوف يتلوه عليهم.. حشد فيه مدير المدرسة ومعلموها وحارسها ومحاسب المتجر وأخوه الأكبر وجاره أبو هشام!
بعد خروجهما من صلاة المغرب عرض عليه أبو هشام مرافقته إلى المدرسة لحضور الحفل.. وافق بعد أن استنظره بضع دقائق لتجهيز نفسه.في الطريق سأله عما فعله حيال كلمة أولياء الأمور.. دس يده في جيبه وأخرج ورقتين مطويتين.. هزهما قائلاً: ((سهرت ليلة البارحة لإعدادها.. يا رجل هذه همّ ثقيل.. جبل على الصدر.. خصوصاً على من صرفته مشاغل الحياة عن البحث الدقيق)).
قهقهه أبو هشام ثم قال: ((ما تقول عني؟! كل ما أعلمه عن التعليم طلبات المعلمين تحسين أوضاعهم وقضايا ضربهم للطلاب أو ضرب الطلاب لهم! أنت لا تزال في أجواء التعليم.. لا تزال تشتري الكتب.. لا تنتقص ما لديك.. هات الكلمة.. أطربني أطربني بما كتبت)).
غمرته نشوة بعثت فيه ابتهاجاً مختلفاً.. فلأول مرة يشعره أحد أنه بمستوى ثقافي مرموق! دفع الورقتين لأبي هشام عجلاً.. وخشية من عواقب الانشغال عن الطريق طلب منه تأجيل قراءتهما إلى ما بعد وصول المدرسة.
*****
((الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
ثلاث أفكار آمل أن يحالفني التوفيق لنقلها إليكم دون طويل المقدمات والتعليقات.. هي:
1. العملية التعليمية في حقيقتها شراكة بين المدرسة والأسرة. وأعتقد أن المأمول من هذه الشراكة مساعدة الطالب على اكتشافه ذاته وقدراته والمواهب الكامنة فيه.. نحن جميعاً مسؤولون عن تقريب كل أصناف المعارف والعلوم إلى الطالب..
2. الطلاب أثناء تواجدهم في المدرسة لا يتعلمون من المعلم فقط. فالطالب اليوم يتلقى الكثير من المعلومات من البيئة المحيطة وما توفره من وسائط. تشتمل هذه البيئة جميع ما يؤثر على العملية التعليمية، وبالأخص الطلاب الذين يقضي الطالب معهم أهم ساعات يومه. لذا علينا أن نزود الطالب بأساليب التفاعل الاجتماعية الصحيحة..
3. نلجأ –نحن أولياء الأمور- إلى تحفيز الطالب على التفوق من خلال منافسة زملائه. ولعل الأحوط في ذلك هو تشجيعه على التنافس مع نفسه. فعبدالله اليوم أفضل من عبدالله في الأسبوع أو الشهر الماضي وهكذا..)).
تتابع تصفيق الحضور لأبي هشام بعد أن أتم الكلمة.. نهضوا جميعاً لمصافحة بعضهم البعض.. نهض أبو خالد معهم..صافحهم واحداً واحداً ثم عاد إلى مكانه في الصف الثاني خلف أبي هشام مباشرة!


هذه حال الكثير من المتعلمين يذعر ويتهرب من أي مهمة كتابية تتطلب التفكير والتبصر بحجة بعده عن مجال التعليم ومستعد للقيام بمهام أخرى تتطلب جهدا ومالا ووقتا ولكن فيها (سعة صدر )ولا يجد غضاضة وحرج في انتحال فكر وأسلوب الآخر طالما أنه نفذ
بجلده ، فهو لم يعتذر لقريبه المدير الذي رشحه -(المدير رشحه لإعداد الكلمة لمجرد أنه قريبه ) -ولكنه (دبس غيره ) وطبيعي في هذا المجتمع المزيف أن يجلس
أبو خالد في الصف الثاني ……شكر أستاذ عبد الوهاب على لمحاتك وقدرتك على كشف الزيف .
كلمات المناسبات هم ثقيل على كاتبها وغالبا ما تجلب النوم للسامع..
لكن يبدو أن صاحبنا ابا خالد لديه حس تربوي عال وضع بفضله النقاط على الحروف باوجز عبارة
تسلم يا أبا يوسف
والله يعطيك العافية
حقيقة أنا أغبط أبا خالد لمكانه في الصف الثاني وخلف أبي هشام فهذه نعمة يحمد الله عليها، لأن غيره كثيرون في الصفوف الأخيرة إن لم يكونوا خارج المسرح !
إن الحاجة لمنسوبي الصف الثاني و القابعين خلف الكواليس حاجة ماسة في مجتمعنا والصورة التي ذكرت – أخي عبدالوهاب – من ارتباط أبي هشام بأكثر من مناسبة هي صورة مقاربة لأولئك الذين يرتبطون برئاسة أكثر من مجلس إدارة وبعضويات قد تتجاوز الخمسين عضوية وإذا علم ذلك فإن الحاجة للكادحين في الصف الثاني تصبح ضرورة ملحة يفرضها واقع المظاهر الكذابة والشخصيات الخارقة.
أستاذتنا القديرة سهام
طالما وجد أبو هشام من يرشحه محاباةً وينجز أعماله مجاملةً ويصفق له عادةً.. فإن أبا خالد وأمثاله سيظلون في الصف الثاني إلى ما شاء الله.
شرفني حضورك الكريم ورأيك الأصيل
الأستاذ سعيد الدوسري
من كلمات المناسبات ما يجلب القلق للكاتب والنعاس للسامع.. كفانا الله وإياك شر الحالين.
الأخ أبا طلال
بلغت في تحليلك للظاهرة التي تناولتها الحكاية مبلغا جعل من أحداثها مسالك مكرورة ومن شخوصها نماذج رمزية.. حتى خلتك شريكي في كتابتها!
هنيئاً لمدونتي إذ تستضيء بوعيك وآرائك.
أحييك على التعبير المباشر في تسجيل لحظة تتكرر في حياتنا ..فما أكثرهم من يكونون في الصدارة وليسوا أكثر من دمى لدرجة أنهم لا يتقنون حتى قراءة ما يقدم إليهم من نتاج لأشخاص يتلبسونهم..
عشت لحظاتك مصادفة مع عيشي الآن مع مسؤول على شاشة التلفاز من المفترض أن له اليد الطولى في إنجاز هام ولكنه يتلكأ أمام أوراق من الواضح أنها كتبت له مسبقا والأحرى به أن يتدرب عليها منعا للإحراج فقط رغم ان الموقف يقتضي أن يفرح بإنتاجه فلا يترك لغيره مأجورا أن يعبر عنه!
أهي الصدفة أن قرأت ” الصف الثاني” بالذات؟ أم أنها رهافة الإحساس؟!
على كل ..الموقف الذي عشته معك ومع المسؤول فيه أدلّ التاكيد على نجاحك فيما كتبت أيها المبدع!
الكاتبة الأستاذة أمان
استئجار الأقلام أمر مقبول منطقياً (وليس أدبياً) ما دام برضى الطرفين.. ما هو خارج المنطقي أن يحوز المتنفعون نتاج مواهب الآخرين اختلاساً ثم يرمونهم بالنقائص!
أحيي فيك رهافة حسك وقدرتك على المقارنة والمطابقة.
(( ليس بالضرورة من هم أول الركب هم أفضل الناس))
هذا المشهد تجسيد حي لهذه العبارة , ولا ازيد.
الأستاذ حامد الإقبالي
عباراتك الموجزة عزاء جميل يجدر بأبي خالد ترديده كلما اضطر إلى الجلوس خلف أبي هشام.
طاب يومك
كثيرون هم من يجلسون في الصف الثاني00 وأكثر منهم من يتسلقون على أكتاف غيرهم ويقبعون في الصف الأول00 ولكن سريعاً ما تتكسر السلالم الثلجية بفعل حرارة الجهل فيبقى الطويل ليصل لمبتغاه 00 أما الأقزام فيتعبها القفز رغبة في الرؤية من فوق الرؤوس0
عبرت أخي عبد الوهاب عن كثير ممايختلج في صدور الكثير ومن منا لم يجلس في الصف الثاني00 أو يعرف أحد سبق له أن جلس؟
“فيبقى الطويل ليصل لمبتغاه ”
وهل يعقل هذا يا فهد الطويل؟!
أخي فهد الطويل
التسلق والقفز ظاهرتان سيئتان تتكرران في منظوماتنا الإدارية.. المشكلة أن اكتشافنا لمن يمارسهما دائماً يكون متأخراً!
محظوظ أنا بحضورك الكريم.