قراءة القراءة
سبتمبر 8th, 2009 بواسطة عبدالوهاب المكينزي

نال التعريف بأهمية الكتاب ودوره في النهضة الحضارية حظاًّ وافراً في كثير من المناهج التعليمية والوسائل الإعلامية، إلا أن التعريف بفنيات التعامل معه وطرق قراءاته وتقييمه غابت في ندرة متناهية!
هوية الكتاب
قبل الشروع في قراءة أي كتاب يجب على القارئ معرفة هويته والفن الذي ينتمي إليه بالتمعّن في عنوانه أو قراءة مقدمته. كما يجب عليه معرفة مدى مناسبة الكتاب له سواء من ناحية الفئة العمرية أو الناحية التخصصية. لأن إقدام القارئ على قراءة كتاب ليس موجهاً إليه لا ينفعه بشيء، إذ إن الكتاب في هذه الحال إما أن يكون دون مستواه فلا يخرج منه إلا بترديد معلومات سابقة، أو أرقى من مستواه فيصبح حينها ضرباً من الأحاجي والألغاز!
القراءة الاستكشافية
تعد ((القراءة الاستكشافية)) التي تعني فن الحصول على أكبر فائدة من المعلومات في زمن محدد ذات قيمة أساسية للتعرف على ما يحويه الكتاب من عناوين وأفكار. وعلى هذا الأساس يجب ألا تأخذ هذه القراءة وقتًا كبيرًا، وألا يُعتمد في التكوين الثقافي.
وتهدف ((القراءة الاستكشافية)) إلى تحديد نوع القراءة التي سوف يمارسها القارئ مع الكتاب الذي بين يديه، واختيار الجزء المناسب له، والمحافظة على الوقت والمال. وأكثر ما يناسب هذا النوع من القراءة: قراءة المجلات، والجرائد، والرسائل البريدية، والأوراق الشخصية، وما شابهها.
ومن آلياتها في التعرف على الكتاب واكتشاف مستواه العلمي:
٭ قراءة مقدمته وخاتمته.
٭ قراءة جدول محتوياته، حيث تمثل عناوين الفصول والأبواب الأفكار الرئيسية للكتاب.
٭ قراءة فواتح الأبواب والفصول من الكتاب.
٭ معرفة تاريخ النشر.
٭ الاطلاع على جريد المصادر والمراجع، على اعتبارها المورد الأساس لمعلومات الكتاب وصياغته واستمداداته وخلفيته الثقافية وطبيعة معالجته للموضوعات.
٭ قراءة الخلاصات التي ترد آخر كل فصل.
٭ قراءة بعض الصفحات والفقرات من الكتاب لمعرفة مستوى المعالجة.
قراءة الضبط
وتسمى أيضًا ((القراءة التحليلية)) و((القراءة البحثية)). وهي المسؤولة عن تأهيل القارئ للتمييز والحكم في موضوع مختلف القراءات. وتعتبر هذه القراءة صنو التتلمذ على أيدي المشائخ لأنها تقوم على مواظبة مطالعة الكتب والتعمق في دراستها. كما تعتبر المكمل لبناء الشخصية العلمية، والمشجع على روح المبادرة والنشاط في البحث، وتوسع المدارك.
ومن مبادئ قراءة الضبط:
٭ الاهتمام بعنوان ومباحث الكتاب وتنظيم محتوياته الداخلية من خلال تصنيفه وتوضيح ما يبحثه بأقصى إيجاز ممكن، وتعديد الأجزاء الرئيسية حسب تسلسلها، وبيان المسائل التي يحاول المؤلف معالجتها.
٭ تفسير محتويات الكتاب من خلال: تفسير كلماته الرئيسية ومصطلحاته، فهم جمله وفقراته، ومعرفة مناقشاته، وتحديد المسائل التي لم يحلّها.
القراءة السريعة
الحاجة إلى هذا النوع من القراءات تظهر مع كثافة ما تقذفه المطابع وما تحمله صفحات الإنترنت ومع الكتب التي سبق للقارئ قراءتها. ويتأكد للقارئ هذا النوع من القراءة في النواحي التالية:
٭ إذا أراد أن يتعرف على الفكرة العامة للكتاب دون الغوص في معانيه.
٭ إذا أراد أن يجمع المادة المعرفية اللازمة لبحثه.
٭ إذا أحب أن يثري دروسه السابقة.
٭ في حال قراءة الكتب واضحة المعاني ككتب التاريخ والأدب والسير والتراجم والمجاميع العامة.
القراءة السطحية
وتسخدم مع: المعاجم، والموسوعات، والكتب التي تفقد الترابط والتسلسل، أو التي تتضمن أفكارًا ورؤى مستغلقة ففيها ينبغي على القارئ تجاهل النقاط التي يصعب عليه فهمها، بحيث تصل استفادته إلى 50% من الكتاب (في أحسن الأحوال).
ولتحقق أقصى فاعلية من القراءة السطحية لابد أن يكون الكتاب المراد قراءته واضح الكلمات غير متشابك الصفحات، وأن يستخدم الإصبع في تتبع الأسطر بدلاً من العينين نظراً لبطئهما وتعلقهما بالجمل أكثر من اللازم. ومن أساليب التدرب على القراءة السريعة بمتابعة بالإصبع، مثل:
٭ عدم التوقف عند أي نقطة للرجوع إلى ما سبق قراءته.
٭ محاولة امتصاص مجموعة من الكلمات أثناء القراءة عوضاً عن النظر إلى كل كلمة بشكل منفرد.
٭ تجاهل الحروف الموصولة للمعنى كــ((على)) و((إلى)).
٭ عدم نطق الكلمات بصوت مسموع لأن اللفظ المحسوس (صوتًا) يعيق تسريع القراءة.
وتزداد نسبة فاعلية القراءة السريعة كلما ألف القارئ الإدراك السريع للكلمات والتراكيب؛ نظرًا لأن القراءة بهذا الاعتبار قراءة بالعقل الذي يحلل العبارات.
ضعف التركيز
يعدّ ضعف التركيز من أشهر المشكلات التي تواجه القارئ ويمكن علاجه باستخدام بعض المبادئ، هي:
٭ إيجاد الدافعية نحو القراءة بواسطة التعبير الإيجابي المباشر الذي يجمع بين القول والتصوّر. وذلك باللهج بعبارات: ((أنا أستطيع، أنا سأفعل..))، وتخيّل النجاح في قراءة الكتاب والانتهاء منه واستيعابه. وكذلك الاستعانة بذكريات سالفة تم تحقيق نجاحات ومكاسب فيها بعد الانتهاء من قراءة وفهم الكتب.
٭ الاهتمام بالمؤثرات الخارجية كاختيار الإضاءة التي لا تجهد العين ولا ترهقها، والمجلس الذي يريح الجسم، والمكان الهادئ معتدل الحرارة طيب الرائحة.
٭ اختيار الكتاب الذي يقع داخل دائرة الاهتمام. فهذا يزيد في تنمية الاختصاص ورفع نسبة الاستيعاب.
٭ تقسيم الكتاب المقروء إلى أجزاء، بحيث ترسم في الذهن أجزاء الكتاب المهمة على شكل شجرة، لأن الصور أكثر رسوخًا في الذهن.
٭ اختيار الوقت المناسب لكل كتاب. فالكتب ثقيلة المحتوى لأوقات النشاط وتوقّد الذهن، بينما تكون الكتب الأقل منها لأوقات الاسترخاء.
٭ عدم الخلط بين العلوم في قراءة أكثر من كتاب في آن واحد، حتى لا يتسبب ذلك بانقطاع الربط بين أوائل الكتاب عن أواخره مما يحرم القارئ من تذوق لذة الانتهاء.
المساعدات الخارجية
وتشمل كل ما يفيد في فهم الكتاب المقروء وتوضيح الملتبس فيه وإزالة الغوامض منه، مثل :
٭ الشروح والتعاليق والمستدركات التي تذيل في هامش الصفحات وغيرها (على ألا يرجع القارئ إليها إلا في حال استغلاق فهم الكتاب عليه).
٭ المختصرات والمستخلصات الجيدة على الكتاب للتذكير بالمعلومات الهامة فيه. ولا تكون قراءة هذه المختصرات والمستخلصات إلا بعد قراءة الكتاب. لأن الاكتفاء بها يؤدي إلى تسطيح العقل والكسل الذهني.
٭ الموسوعات والمعاجم والمراجع ذات الصلة بمادة ومحتوى الكتاب. ويُفضّل أن تكون قريبة في متناول يد القارئ حالما احتاج إليها.
٭ المصادر التي اعتمدها المؤلف في كتابه. فكثير من الأفكار الرئيسية للكتب قد بنيت على ما في مصادرها.
كتابة الفوائد
من المناسب كتابة الفوائد المهمة والتنبيهات المستخرجة من الكتاب على حافتي صفحاته. وهي نوع من الكتابة عرفت عند أواسط العلماء باسم ((اللَّحق)) وجعلت لمكتباتهم مكانة كبيرة بما تحفل به كتبهم من تعليقات واستدراكات. ومن أشهر تقنياتها:
٭ وضع نجمة أو أكثر (حسب الأهمية) أمام كل عبارة أو جملة تحمل فائدة أو يلزمها تعليق أو شرح.
٭ وضع نقاط ملونة يحدد القارئ بواسطتها نوع التعليق والملاحظة.
٭ وضع أرقام الصفحات الأخرى من الكتاب في هامش الصفحة التي يقرؤها للإشارة إلى وجود علاقة بينها.
٭ تسجيل الأسئلة والأفكار.
٭ كتابة الفوائد بعبارة موجزة متكاملة المضمون وبخط واضح، حتى يمكن للقارئ ولغيره الرجوع إليها متى ما شاء.
التأمل
المعيار الذي تعرف منه قيمة الكتاب هو ما يفتحه من نوافذ الفكر. فالكتاب الذي لا يحرك ذهن قارئه يفكر فيه بعد قراءاته ليس بكتاب قيّم. ومن الإشارات التي يمكن للقارئ اعتمادها مقياساً لمدى فهمه لما قرأه من كتب:
٭ أن يأتي القارئ بأمثلة وملاحظات على ما يثيره الكتاب.
٭ أن يلخص القارئ عبارات وفقرات من الكتاب بأسلوبه الخاص (مما يخرجه عن نطاق لغة الكاتب وأساليبه).
٭ أن يتمكن من تحديد الفكرة (أو الأفكار) الرئيسية والجزئية التي بنى عليها الكاتب كتابه وأقام سوقه عليها.
٭ أن يمتلك الإجابة عن السؤالين: ما المسائل التي أبدع الكاتب في حلها وبنائها؟ وما المسائل التي أخفق في معالجته؟
النقد
النقد الحقيقي هو الذي يكشف للقارئ مساحات الجمال والجودة في النص، ويضع يديه على الإضافات والنقاط الجديدة المبتكرة التي وفّق الكاتب لشرحها على نحو ممتاز. وهو بالمقابل يظهر للقارئ أخطاء الكاتب سواء في كليات الأفكار أو في توصيفها وعرضها والحكم عليها.
ومما يعين على رفع كفاءة القارئ النقدية تقييد مواطن الحسن والكمال والقصور والخلل على جزازات ورقية خارجية، أو في مقدمة الكتاب، أو ثناياه (ليستأنس ويستفيد بها الكاتب أو من يقرأ الكتاب بعده)، ثم عرضها على من يثق القارئ بموسوعية اطلاعه في فن الكتاب حتى يحصل له عدالة المحاكمة العقلية وحسن التوجيه.
ومن آداب النقد التي يسوقها الكتاب ويدعو إلى التحلي بها:
٭ ألا يكون ديدن القارئ النقد والإكثار منه (خاصة في أول أمره) فلا بد قبلاً أن يستقيم له بناء العلم وتثبت الحجة لديه.
٭ ألا يبدأ بنقد كتاب حتى يفهمه ويستكمل تفسيره، حتى لا يأتي النقد مثقلاً بالانطباعية.
٭ أن يبنى نقده على أسس صحيحة، بحيث يكون نقدًا محددًا مفصلاً معللاً، لا نقدًا مشاكسًا مدعومًا بالمبالغات ورفع الأصوات.
٭ أن يعتمد على المعلومات التي يقدمها الكتاب (لا غير). ولا يصح الأخذ بالنوايا المفترضة والمتصور وجودها سلفاً عند المؤلف.
وأخيراً يجب على القارئ ألا يستغرق بالجوانب التنظيرية دون سواها، وأن ينمي روح التطبيق العملي في حياته حتى لا تكون معلوماته مجرد ترف فكري وتخمة معرفية، وحتى لا يصبح من أقل الناس جهداً وبذلاً.


معلومات ارشادية رائعة تستحق أن تحفظ وتطبق .
لقد تعلمنا في مدارسنا القراءة ولكن لم نتعلم ماذا نقرأ ؟ وكيف نقرأ ؟ ولماذا نقرأ ؟
واسمح لي بإبداء رغبة تختلج في نفسي…
هناك أربعة أشياء أتمنى أن تتحقق في بيوتنا *
- متابعة الطفل في معرفة القراءة على نحو جيد .
- معرفة مهارات القراءة – على نحو ما جاء في مقالك .
- مكتبة لجميع الفئات العمرية في البيت .
- مناقشة من قرأ كتابا من الأبناء في جلسة عائلية صغيرة .
تخيل معي لو حدث هذا… بيت قارئ !
* قلت في بيوتنا وليس مدارسنا لأن مدارسنا لا زالت تغط في سباتها !
نصائح جميلة وسهلـة التطبيق على الصعيد الشخصي
وهنا تعود لي أمنية أن أرى مكتبه عامة بها من الكتب والقصص والروايات المفيدة ما نطمح اليه
اعتقد انه من المخجل ان لا نملك واحدة ..
شكرا لك
أخي أبا طلال
أؤكد لك أن دعوة التربويين إلى القراءة لا زالت غير مدعومة بفنياتها وطرقها.
الطالب في تعامله مع الكلمة المكتوبة لا يخرج عن إحدى الحالين فهو إما أن:
1- يتعلم ليقرأ.
2- (أو) يقرأ ليتعلم.
كثير من مدارسنا نجح في تمكين الطالب من تجاوز الحال الأولى لكنه أخفق في تمكينه من الحال الثانية.
من هنا يجيء دور الأسرة وجهودها.. ولعل ما تمنيتَ تحققه مثال ناصع لاجتهاد أسرتكم الكريمة في حمل ابنكم على أن ” يقرأ ليتعلم”.
دمت بعافية
القراءة مهارة لا يجيدها الكل ..
لعل هذا الكتاب يكون مصدر لإتقان تلك المهارة
شكرا للمراجعه
آلاء
المكتبات العامة كانت منهلاً سخياً لأجيال من المثقفين والأعلام.. ولعل الفرصة تسنح بتناولها في ركاز من رؤية جديدة.
طاب يومك
sea lover
صدقت القراءة مهارة لا يجيدها الجميع.. وأضيف: أن مجيديها لا ينتهجون نفس الأساليب تماما فثمة خصوصية لكل منهم!
شكرا للحضور
السلام عليكم ،
بارك الله فيكم أستاذي ع هذا النقل الجيد : ) .
لا أخفيكم عكفت ع هذه الصفحة أيام ؛ فلا أشعر بالتلذذ إلا والكتاب بين يدي : p ، لكن الحمد لله أتممناه بسلام : D
أستاذي بارك الله فيكم ، هل هذا اختصار للكتاب ، أم أنكم سردمتوه كله : ) ؟
وصحيح ماذكره الكاتب ، هناك أمور كنت أجهلها ؛ فالقراءة كانت بالنسبة لي هواية أتلذذ بها ، وقليل ماهو إن قررت قراءة كتاب بعينة بغية فائدة منه . لا أعني أني لا أخرج بفائدة مما اقرء من الكتب >< .
جزاكم الله خيراً : )